«نافذة على ظهر الغد» قصة خيالية عربية أصلية عن سليم، رسام الخرائط الذي رأى صورة من اليوم التالي، ثم بنى حول صمتها حكاية لم تقلها له. الشخصيات والأحداث والمكان متخيلة، وكذلك قدرة النافذة؛ وليست القصة ادعاءً بإمكان رؤية المستقبل.
الخلاصة السريعة
تكشف هذه الخلاصة أحداث القصة ونهايتها: يرى سليم نفسه يحمل صندوقًا أزرق خارج الورشة، وأخته تبكي بجوار باب يغلق، فيظن أنها تريد بيع المكان. لكنه يكتشف أنها تستعد للسفر للتعلم، وأن الصورة التي رآها كانت لحظة وداعها، لا نهاية الورشة.
- يستعير سليم نافذة تعرض لحظة صامتة من ظهر اليوم التالي، ويرى فيها صندوق العائلة ودمعة أخته.
- يعود إلى الورشة ويفسر استعدادات نور على أنها خطة لبيع المكان، دون أن يسألها عما تقصده.
- يودع الصندوق عند جار ليمنع الصورة من الحدوث، فيتسبب في مواجهة تكشف تأخره في الإصغاء.
- تخبره نور أنها قبلت تدريبًا في مدينة بعيدة، وأنها حاولت الحديث معه عن سفرها وبقاء الورشة.
- يستعيد الصندوق ليضع فيه هدية لها، فتقع لحظة الصورة عند الوداع، بمعنى مختلف عما خافه.
- يعيد النافذة إلى صاحبها، ثم يعود إلى ورشته ويفتح نافذتها الحقيقية ويترك في الخريطة مكانًا لما لا يعرفه.
زجاج لا يعكس الواقف أمامه
كان سليم يرسم الأزقة لزوار المدينة الذين يحبون أن يحملوا طريقًا صغيرًا إلى بيوتهم. يضع المنحدر في خط مائل، والسوق في بقعة حمراء، ثم يضيف الشجرة التي يتوقف تحتها الناس قبل صعود الدرج. بعد ظهر الأربعاء خرج ليشتري إطارًا لخريطة جديدة، فوجد في دكان الأشياء القديمة نافذة خشبية مسندة إلى الجدار. وقف أمامها يعدل ياقة قميصه، ولم ير وجهه في الزجاج.
قال صاحب الدكان إنها لا تصلح مرآة. وحين سأله سليم عما تصلح له، نفض الغبار عن زاويتها العليا وأجاب: «تعرض لحظة واحدة من ظهر الغد، لمن يطل عبرها أول مرة. بعد ذلك لا ترى إلا زجاجًا». ظن سليم أنه يرفع ثمن خشب متشقق بحكاية، فابتسم وانحنى ليرى ما وراءه. اختفت رفوف الدكان، وحل محلها باب ورشته، مضاءً بشمس يعرف موضعها على العتبة.
رأى نفسه يحمل الصندوق الأزرق الذي احتفظ فيه أبوه بالفرش القديمة. كانت نور، أخته، تقف إلى جانبه، واضعة أصابعها تحت عينها، وخلفهما باب الورشة نصف مغلق. على الأرض قرب قدمها شيء داكن لم تتسع له حافة الصورة. حاول الاقتراب ليرى الباقي، فاختفى المشهد كله. ضرب الزجاج بخفة، ثم نظر من الجانب الآخر. لم يجد غير الجدار وبقعة الرطوبة التي تغطيه.
سأل الرجل إن كانت أخته تبكي. أجابه بأنه لم ينظر معه، وأن الزجاج لا يحمل صوتًا ولا يشرح ما يعرضه. طلب سليم استعارة النافذة إلى ما بعد ظهر الغد، فوافق صاحب الدكان. اشترى سليم الإطار الذي جاء من أجله، وتركه لديه ضمانًا حتى يعيد النافذة. حملها بحذر عبر السوق، وفي رأسه باب يغلق وصندوق يخرج. لم يفكر في الشيء الذي لم يره كاملًا؛ كان ما ظن أنه فهمه كافيًا ليجعل الطريق إلى الورشة أطول.
الأشياء التي بدت له أدلة
كانت نور تجمع أوراقها في ملف حين عاد. تعمل معه في الورشة، ترسم أغلفة الدفاتر التي يبيعانها إلى جانب الخرائط، وتترك على أطرافها أزهارًا صغيرة لا يحب سليم إضافتها إلى خطوطه الدقيقة. رفعت رأسها وسألته إن قرأ الرسالة التي وضعتها قرب كوبه صباحًا. قال إنه كان مشغولًا، وأسند النافذة إلى الجدار. نظرت إليها باستغراب، لكنه لم يشرح، بل سألها لماذا أفرغت درجها.
قالت إنها ترتب ما يخصها، وإنها تريد الحديث معه قبل إغلاق الورشة. سمع «ما يخصها» كأنها خط ترسمه بينهما. على المنضدة ظرف كبير، وفي يدها قائمة أسماء وأرقام، وبجوار الكرسي حقيبة مفتوحة. تذكر رجلًا جاء الأسبوع السابق يسأل عن المحال القديمة في السوق، فقرر أن الزيارة لم تكن عابرة. أخذ الظرف، ثم وضعه دون فتحه؛ خاف أن يجد فيه ما يؤكد الصورة التي رأى.
سألها فجأة إن كان ثمن المكان يستحق كل ذلك. توقفت عن طي الأوراق، وسألته أي ثمن يقصد. قال إنه يعرف أنها سئمت الورشة وأنها تريد إخراج أشياء أبيهما منها. لم ترفع صوتها، لكن يدها بقيت في الهواء حاملة ورقة مثنية. أجابت بأنها لم تعرض المكان للبيع، ثم دفعته برفق نحو الكرسي كي يجلس ويسمعها. بقي واقفًا، وتعلل بأن عليه تسليم خريطة قبل المساء.
غادرت نور لتشتري أغراضًا، وقالت إنها ستعود بعد ساعة. راقب سليم ابتعادها من الباب، ثم عاد إلى النافذة المستعارة. جرب أن يضعها تحت المصباح وأن يغطيها بقماش ثم يكشفها، فلم يتغير الزجاج. كانت الرسالة بجوار الكوب بالفعل، لكنه وضع عليها دفتر الحسابات كي لا تتطاير. نظر إلى الصندوق الأزرق على الرف، وخطر له أن الصورة لا تستطيع أن تقع إذا لم يكن الصندوق موجودًا.
الصندوق عند الجار
أخرج الفرش القديمة من الصندوق ورتبها في درج منضدته، ثم حمله إلى جاره مراد، مجلد الكتب. طلب منه أن يحتفظ به حتى عصر اليوم التالي، وألا يسلمه لأحد سواه. قلب مراد الصندوق بين يديه ليتأكد من قفله، وقال إن مكانه فوق الخزانة بعيدًا عن الغراء. أراد أن يسأل عن السبب، لكن سليم كان قد اتجه إلى الباب، كأن تأخره سيمنح الغد فرصة للحاق به.
عاد فوجد نور تفتش الرف. سألته عن الصندوق، فأجاب بأنه في مكان آمن. التفتت إليه ببطء، ثم قالت إنها أرادت قياسه لترى إن كان يتسع لأدواتها. ظن أن عبارتها اعتراف أخير، فقال إنها لن تخرج به من الورشة. هذه المرة وضعت ملفها على المنضدة بقوة، فارتفع طرف إحدى الخرائط. لم تقل شيئًا عن حقها في الصندوق، بل سألته لماذا صار يعاملها كغريبة جاءت لتأخذ شيئًا.
حكى لها عن الدكان والزجاج والدمعة والباب. أصغت حتى انتهى، ثم نظرت إلى النافذة المسندة خلفه. لم تطلب منه إعادة الصورة لها، ولم تسخر مما رآه. سألته: «هل سمعتني أقول إنني سأبيع الورشة؟». أجاب بأنه لم يسمع شيئًا. قالت إن هذا الجزء من حكايته واضح، وإنها منذ الصباح تحاول أن تجعله يسمع كلامًا لا يحتاج إلى نافذة غريبة. سحبت الرسالة من تحت دفتر الحسابات ووضعتها أمامه.
جلس أخيرًا. كانت الورقة تحمل خطها المائل ورسومًا صغيرة حول كلمة شطبتها مرتين. قرأ أنها قُبلت في تدريب طويل على رسم الكتب في مدينة ساحلية، وأن عليها السفر ظهر الخميس. رفعت نور الظرف الكبير وأخرجت منه رسالة القبول. قالت إنها أخبرته عن الطلب حين أرسلته، ثم ذكرته به عند وصول الجواب، لكنه كان يؤجل الحديث إلى ما بعد انتهاء خريطة أو انصراف زبون أو هدوء السوق.
الحديث الذي تأخر
لم يستطع أن يقول إنه لم يكن يعرف شيئًا. تذكر مساء تحدثت فيه نور عن رسام أعجبها عمله، وصباحًا سألته إن كان يستطيع تولي تسليم الدفاتر وحده مدة. كان يجيب عن السؤال القريب، ثم يعود إلى خطوطه. قال الآن إن الرحيل جاء سريعًا. أجابته بأن الانتظار كان طويلًا بالنسبة إليها، وإن الوقت الذي لم ينتبه إليه لم يكن وقتًا فارغًا في حياتها.
فتح فمه ليطلب منها التأجيل، ثم رأى الحقيبة عند الكرسي. كانت قد أصلحت مقبضها بخيط بلون مختلف، وجهزت داخلها دفترًا جديدًا. سألها عن الورشة، فقالت إنها لا تريد بيع حصتها ولا إلغاء ما عملا عليه، لكنها لا تريد أيضًا أن تبقى لأنهما اعتادا وجودها هنا. أخرجت قائمة بالأعمال التي ستكملها قبل السفر، وأخرى بالأعمال التي يستطيعان تأجيلها، ودفعت إليه الورقتين كي يقرأهما فعلًا.
بقيت بينهما أمور لم يحلها الحديث الأول: تسليم طلبية، ومفتاح احتياطي، وموعد مراسلتها بعد الوصول. كتبا ما اتفقا عليه، وتركا سؤالين إلى ما بعد أن تعرف برنامجها هناك. لم تعده نور بأن الرسم من بعيد سيكون سهلًا، ولم يقل سليم إنه صار مسرورًا بكل شيء. لكنه سألها عما تريد تعلمه، ففتحت الملف وأرته رسومًا أخفتها بين أوراق الطلبات. كانت أكبر وأغرب من الأزهار التي يعرفها على أغلفة الدفاتر.
حين غادرا تلك الليلة، تذكر الصندوق فوق خزانة مراد. قال لنور إنه سيعيده في الصباح، واعتذر عن أخذه بهذه الطريقة. أجابت بأنها تستطيع استعمال صندوق آخر، لكن كلامه آلمها أكثر من فقدان الخشب. مشيا بعض الطريق في صمت، ثم توقفت عند بائع فاكهة لتختار ما تأخذه في الرحلة. انتظرها سليم عند طرف العربة، ولم يسألها مرة أخرى إن كانت مضطرة إلى السفر.
ظهر الخميس كما لم يتخيله
في الصباح استعاد الصندوق من مراد، ومسح الغبار عن غطائه. كان فارغًا إلا من ورقة رقيقة التصقت بالقاع. قلبها فوجد رسمًا رسمته نور وهي صغيرة: بيت له باب أزرق وطريق يخرج من طرف الورقة، بلا نهاية. تذكر أنه ضحك يومها لأن الطريق لا يصل إلى شيء. فرد الورقة تحت كتاب، ثم أخذ خريطة بيضاء ورسم عليها طريقًا من الورشة إلى الموقف، وترك ما بعده مساحة خالية.
وضع الرسم القديم في الصندوق، ومعه الخريطة الجديدة وفرشاة كانت نور تفضلها، بعد أن سألها إن كانت تريد أخذها. جاءت قبل الظهر بقليل تحمل حقيبتها الداكنة. حين فتحت الغطاء رأت البيت والطريق، فابتسمت ثم مسحت عينها بأصابعها. قال سليم إنه لم يضع اسم المدينة الساحلية على الخريطة لأنه لم يزرها، وإنها تستطيع أن ترسم له أول شارع تتعرف إليه هناك. أغلقت الصندوق ووضعته بينهما على المنضدة.
عند الظهر رفعت حقيبتها، فحمل هو الصندوق عنها. خرجا إلى العتبة، ومد يده ليغلق الباب إلى حين عودته من الموقف. كانت نور تقف إلى جانبه، وما تزال تمسح أثر دمعة، والحقيبة الداكنة عند قدمها. تجمدت يده لحظة فوق المفتاح. رأى المشهد الذي حفظه من الزجاج: الصندوق والدمعة ونصف الباب. لم يكن شيء منه كاذبًا، لكن البيع الذي ملأ رأسه لم يكن في المشهد قط.
سألته نور إن نسي شيئًا. قال لا، وأدار المفتاح ووضعه في جيبه. في الطريق أخبرها أي جزء من الصورة لم يفهمه، فأجابت بأن النافذة لو عرضت الحقيبة كاملة لربما اخترع لها حكاية أخرى. ضحك، ولم يحاول الدفاع عن نفسه. عند الموقف أعاد إليها الصندوق، وانتظر حتى استقرت في مقعدها. لوحت له من خلف الزجاج، ثم انشغلت بوضع الحقيبة تحت قدميها قبل أن تتحرك العربة.
نافذة يدخل منها الهواء
عاد سليم إلى الورشة بعد الوداع، ففتح الباب الذي خاف أن يغلق إلى الأبد. كان كوب نور ما يزال على الرف، والدرج الذي أفرغته نظيفًا، وبقايا ورق التغليف عند المنضدة. لم تُعد هذه الأشياء أختَه إلى مكانها، ولم تجعل الغياب خفيفًا فورًا. جمع الورق، ووضع الكوب في الخزانة، ثم حمل النافذة المستعارة إلى الدكان. كانت أثقل مما تذكر، فاستراح بها عند زاوية السوق.
سأله صاحب الدكان إن رأى ما عرضه الزجاج في اليوم السابق. قال إنه رآه، لكن معناه كان مختلفًا. هز الرجل رأسه، وأعاد إليه إطار الخريطة الذي تركه ضمانًا. لم يعرض عليه درسًا ولا تفسيرًا، بل تناول قطعة قماش ومسح أثر أصابعه عن الخشب. سأل سليم إن كانت هناك نافذة أخرى تعرض ما بعد الغد، فأشار الرجل إلى إطار مغطى في آخر الدكان. بقي سليم ينظر إليه لحظة ثم رفع إطاره وغادر.
في الورشة علق الخريطة التي خرج لشراء إطارها يوم الأربعاء. لاحظ أنه رسم كل طرق المدينة وكأنها تنتهي عند حافة الورق، فترك أسفلها ورقة صغيرة لأسئلة الزوار عن الطرق التي لم يرسمها. ثم فتح النافذة الحقيقية فوق المنضدة. دخل الهواء، وتحركت ورقة نور التي طواها بعد القراءة. أمسكها قبل أن تسقط، ووضعها في درج يعرف أنه سيفتحه، إلى جوار قائمة الطلبات التي اتفقا عليها.
جلس ليكتب رسالة قصيرة يسألها فيها عن وصولها، ثم تذكر أن الرحلة لم تنته بعد. ترك الورقة مفتوحة، وبدأ العمل على دفتر طلبه زبون في الصباح. عند طرف غلافه مساحة صغيرة كانت نور تملؤها بزهرة. لم يقلدها، ولم يمح المكان؛ وضع علامة خفيفة ليسألها عنه عندما تتحدث معه. ومن النافذة المفتوحة جاء صوت شخص يسأل عن الطريق إلى الموقف، فنهض سليم وخرج ليريه أول الزقاق.
