ثقافة ولغة

قصة عن تقبّل النقد: مقبض الكوب الأزرق

كوب خزفي أزرق بمقبض جانبي على طاولة خشبية في ورشة مضاءة بضوء النافذة
صورة توضيحية مولّدة بالذكاء الاصطناعي لكوب أزرق في ورشة؛ لا تمثل قطعة حقيقية أو قياسًا لمقبض الكوب المتخيّل في القصة.

في هذه القصة العربية الأصلية، تتعلم مريم أن تقبّل النقد يبدأ بفهم الملاحظة المحددة، ولا يقتضي التخلي عن كل ما تحبه في عملها. جميع الشخصيات والأماكن والأحداث متخيلة، وتكشف الخلاصة السريعة مسار الحكاية ونهايتها لمن يفضّل الاطلاع عليهما قبل القراءة.

الخلاصة السريعة

تغيّر مريم طريقة صنع مقبض كوبها بعدما تفهم ملاحظة صديقتها، لكنها تحتفظ باللون الأزرق الذي اختارته وبالكوب الأول الذي بدأت منه.

  • تدعو مريم صديقتها ديمة لرؤية أول كوب أكملته، وتنتظر منها إعجابًا يعوّض ساعات العمل الطويلة.
  • تقول ديمة إن فتحة المقبض تضايق أصابعها، فتسمع مريم الملاحظة كأنها حكم على العمل كله وتنهي اللقاء بجفاء.
  • تحاول مريم في البيت حمل الكوب بالطريقة التي جرّبتها ديمة، وتلاحظ أنها اهتمت بزاوية تصوير جميلة أكثر من اهتمامها براحة القبضة.
  • تعتذر لصديقتها، ثم تفرّق بمساعدة المشرفة سمر بين مشكلة القبضة وبين تفضيل شخص آخر للون الأبيض.
  • تصنع كوبًا جديدًا على مهل، وتطلب ملاحظات محددة أثناء العمل، مع إبقاء الكوب الأول كما هو.
  • تضع الكوب الأول للأقلام، وتعرض الثاني بجواره؛ وحين تسمع رأيًا جديدًا، تسأل عمّا يعنيه صاحبه قبل أن تقرر تغييره.

المكان الذي تركته للكوب

أزاحت مريم دفترها عن طرف الطاولة، ومسحت دائرة صغيرة على الخشب بكُمّ مريولها. كان الكوب الأزرق في صندوق عند المشرفة سمر، جاهزًا لتأخذه بعد أسابيع من المجيء إلى الورشة مساء كل جمعة. لم يكن أول ما صنعته؛ سبقه صحن مائل ووعاء فقدت رغبتها في إكماله. لكنه كان أول قطعة تتخيلها في يد شخص آخر، خارج الرف الذي يضع عليه المتدربون أعمالهم حين ينصرفون.

دعت صديقتها ديمة إلى الحضور قبل نهاية اللقاء. أرسلت إليها صورة قريبة للسطح الأزرق، وكتبت أن عليها أن ترى اللون تحت الضوء. لم تذكر المقبض، مع أنها قضت وقتًا طويلًا تحاول أن تجعله صغيرًا وأنيقًا. في كل مرة رفعت الكوب لتصوره، كانت تديره حتى تظهر الجهة التي تحبها، وتستند أصابعها إلى قاعدته من غير أن تنتبه كثيرًا إلى ما تفعله.

حين أخرجت سمر القطعة من الصندوق، حملتها مريم بكلتا يديها. مررت إبهامها على الحافة، ثم وضعتها في الدائرة النظيفة. قالت سمر إنها تستطيع أخذها إلى البيت، وسألتها إن كانت ستبدأ عملًا آخر في الأسبوع المقبل. أجابت بسرعة: «سأصنع مجموعة مثلها». بدت لها الفكرة واضحة: أربعة أكواب زرقاء، متجاورة على رف مطبخها، كأنها كانت تنتظر اكتمال هذا الكوب لتقرر عدد البقية.

وصلت ديمة ومعها كيس صغير من الكعك. تركته على الطاولة ونزعت معطفها، ثم اقتربت من الكوب. وقفت مريم إلى جواره بدل أن تجلس. كانت تراقب وجه صديقتها، وتستعيد في رأسها كل مساء عادت فيه بثياب عليها آثار الطين. أرادت جملة قصيرة تحمل ذلك كله، ولم تكن قد فكرت في جملة أخرى قد تسمعها.

ملاحظة لم تنتظرها

قالت ديمة إن اللون أعمق مما ظهر في الصورة. ابتسمت مريم، وأخذت تشرح كيف اختارته من بين العينات. أصغت صديقتها، ثم مدت يدها إلى المقبض ورفعت الكوب الفارغ قليلًا. أعادته إلى الطاولة، وغيّرت موضع أصابعها، وحاولت مرة ثانية. قالت: «أحب الأزرق، لكن الفتحة تضايق أصابعي عندما أحمله هكذا». انحنت مريم نحو الكوب كأنها تريد أن تتأكد أنه القطعة نفسها التي كانت تتحدث عنها.

أجابت: «أمسكيه من هنا». وضعت أصابعها تحت القاعدة، ورفعت الكوب أمامها. قالت ديمة إنها تقصد حمله من المقبض وحده. سحبت مريم القطعة إلى ناحيتها، ثم سألتها إن كانت تعرف كم مرة أعادت صنع ذلك الجزء. لم تكن ديمة تعرف، فأجابت بالنفي. بدأت مريم تعدّ محاولاتها، وتذكر ما تركته من أعمال البيت حتى تأتي إلى الورشة، بينما بقي سؤال المقبض بلا جواب.

قالت ديمة: «أنا لم أقل إنك لم تتعبي». لكن مريم كانت قد سمعت كلامًا آخر، أوسع وأقسى من الجملة التي قيلت. أشارت إلى أعمال المتدربين على الرف، وقالت إن أحدًا لا يصنع كل شيء كاملًا من المرة الأولى. نظرت ديمة إلى الرف ثم عادت إليها: «أعرف. ظننت أنك تريدين أن أجرّبه». لم تجد مريم ردًا، فبدأت تلف الكوب في ورق الصندوق.

لم تأكلا الكعك في الورشة. اعتذرت ديمة عن التأخر على موعد آخر، وسألت إن كانتا ستلتقيان في الأسبوع التالي. قالت مريم: «سأرى». بعدما خرجت، بقي الكيس قرب المعطف المعلّق. ناولتها سمر معطفها دون أن تسأل عمّا جرى، فحملت مريم الصندوق والكعك معًا. في الطريق لم تفكر في الأصابع التي ضاقت بها الفتحة؛ فكرت فقط في أن صديقتها رأت كل هذا الأزرق، ثم اختارت أن تتحدث عن المقبض.

الصورة واليد

في مساء السبت، أخرجت مريم الكوب لتضعه على رف المطبخ. كان المكان الذي تخيلته له أضيق مما تذكرت، فأزاحت علبة الشاي. تراجعت خطوة، والتقطت صورة لترسلها إلى ديمة، ثم توقفت قبل الإرسال. كتبت: «وجدت له مكانًا»، ومسحت الكلمات. أعادت النظر إلى الصورة. كان اللون جميلًا، والمقبض على الجانب البعيد، لا تظهر منه إلا حافة صغيرة. هذه المرة لاحظت أنها اختارت الزاوية نفسها تقريبًا دون تفكير.

وضعت الهاتف، وملأت الكوب قليلًا بماء بارد. حاولت حمله من المقبض وحده. دخل إصبعها، لكن مفصلها لامس الحافة بطريقة جعلتها تغيّر قبضتها. أعادته إلى الطاولة، وجربت بيدها الأخرى. لم تقع كارثة، ولم ينكسر شيء؛ كان الأمر أصغر من المشهد الذي صنعته في الورشة، وأوضح منه. احتاجت في كل مرة إلى حركة إضافية كي تستقر يدها حيث تريد.

فرغت الماء، وجلست أمام الكوب. تذكرت أن ديمة لم تطلب لونًا مختلفًا، ولم تسخر من الحافة التي تعبت عليها. قالت شيئًا عن يدها هي، وأرتها كيف حاولت الإمساك به. أما مريم فردت بساعاتها هي، كأن الساعات تستطيع أن توسّع الفراغ بين الخزف وأصابع صديقتها. مدت يدها مرة أخرى، لكنها توقفت عند المقبض، هذه المرة لتراه لا لتدافع عنه.

فتحت المحادثة، وكتبت اعتذارًا طويلًا بدأ بتفسير تعبها. قرأته، وحذفت نصفه. بقيت جملتان: «كنت أنتظر المديح، فلم أسمع ما قلتِه عن المقبض. آسفة لأنني أنهيت الزيارة بتلك الطريقة». لم تطلب من ديمة أن تؤكد جمال الكوب. جاء الرد بعد العشاء: «كنت أحب أن نبقى ونأكل الكعك». نظرت مريم إلى الكيس الذي وضعته في علبة محكمة، وابتسمت للمرة الأولى منذ عادت من الورشة.

ما الذي ستغيّره؟

عادت مريم في الجمعة التالية ومعها الكوب ودفتر صغير. وضعت القطعة أمام سمر، وقالت إنها تريد أن تصنع مقبضًا أفضل. سألتها المشرفة: «أفضل في ماذا؟» كادت تجيب بأنه ينبغي أن يعجب الجميع، ثم تذكرت يد ديمة. شرحت صعوبة القبضة، وأرتها كيف كانت تسند القاعدة كلما رفعت القطعة. استمعت سمر، ثم سألتها عن الشيء الذي تريد الاحتفاظ به في الكوب الجديد.

قالت مريم: «الأزرق». كان جوابًا سريعًا هذه المرة أيضًا، لكنه لم يحمل دفاعها القديم. مرّ أحد المتدربين، وسمع آخر الحديث، فقال إنه يفضّل الأكواب البيضاء لأن الأزرق داكن في نظره. التفتت إليه مريم، وكادت تضيف تغيير اللون إلى الدفتر. سألت سمر: «هل يعطّل اللون ما تريدين استعمال الكوب له، أم أنه لا يوافق ذوق زميلك؟» نظرت مريم إلى المساحة التي تركتها في الصفحة، ثم كتبت ملاحظة عن المقبض وحده.

جاءت ديمة بعد قليل كما اتفقتا، وأحضرت مريم طبقًا مغطى من الكعك الطازج. قبل أن تكشفه، دفعت الكوب نحو صديقتها وسألتها أن تريها موضع الضيق مرة أخرى. فعلت ديمة، ولم تحاول هذه المرة تغليف الملاحظة بكلام كثير عن اللون. أصغت مريم، وسألت إن كانت تقصد اتساع الفتحة أم موضعها. ترددت ديمة، ثم قالت إنها لا تعرف كيف تصمّم مقبضًا، لكنها تستطيع أن تريها ما يزعجها في هذا المقبض.

كان ذلك كافيًا للبدء. لم تتحول ديمة فجأة إلى خبيرة، ولم تعطها سمر شكلًا جاهزًا تنسخه. قالت المشرفة إنهما ستعملان على قطعة جديدة، أما الكوب المكتمل فلن تعيدا تشكيله بأصابعهما كما لو كان طينًا طريًا. أعادته مريم إلى الصندوق برفق. ثم فتحت الدفتر على صفحة أخرى، ورسمت أكثر من احتمال، بينما أخذت ديمة قطعة كعك وجلست هذه المرة حتى نهاية اللقاء.

الكوب الثاني

لم تنتهِ المحاولة الجديدة في ذلك المساء. في الأسابيع التالية، كانت مريم تأتي وفي دفترها رسم، وتعود وفيه رسم آخر وعلامة عند موضع تحتاج إلى مراجعته. تابعت العمل مع سمر، وتركت المراحل التي تحتاج إلى انتظار تأخذ وقتها. لم تعد تعدّ الأكواب الأربعة قبل أن تكمل الثاني. كان الصندوق الأول في بيتها، على الطاولة قرب الدفتر، تفتحه أحيانًا لتقارن ما تتذكره بما تراه.

في إحدى الزيارات، عرضت على ديمة الشكل الذي تفكر فيه، وسألتها سؤالًا محددًا عن المساحة التي ستتركها لليد. قالت ديمة إن الرسم وحده لا يخبرها كيف سيكون الإمساك بالكوب. شعرت مريم بخيبة صغيرة؛ كانت تريد جوابًا ينهي التردد. لكنها قلبت الصفحة، وكتبت أن الحكم مؤجل حتى يصبح لديها ما يمكن حمله. بقي السؤال مفتوحًا، ولم تعتبره رفضًا للعمل أو تراجعًا عن مساعدة صديقتها.

حين اكتملت القطعة الثانية، لم تكن نسخة من الأولى بمقبض أكبر فقط. اختلف امتداد جانبها قليلًا، وظهرت في لونها درجات لم تتوقعها مريم تمامًا. وضعتها إلى جوار القديمة، وتفحصتهما قبل أن تنادي أحدًا. أحبت جانبًا في الأولى أكثر، وجانبًا في الثانية أكثر. للمرة الأولى استطاعت أن تقول ذلك دون أن تشعر بأنها مضطرة إلى إعلان فوز واحدة واختفاء الأخرى.

رفعت ديمة الكوب الجديد، ثم وضعته ورفعته مرة أخرى. قالت إن يدها مرتاحة هذه المرة. سألتها مريم عن الموضع الذي كانت تضيق فيه أصابعها، فأشارت إلى الفرق. لم تمد مريم يدها لتصحح طريقة حملها، ولم تسأل فورًا إن كان الكوب أجمل. قالت سمر إن طاولة عرض صغيرة ستُجهّز لأعمال المتدربين في نهاية الشهر. طلبت من مريم أن تختار ما ستضعه عليها، فحملت الكوبين إلى طرف الطاولة بدل أن تختار أحدهما على عجل.

مساحة لرأي آخر

في يوم العرض، جاءت مريم بالكوب الأول وفيه ثلاثة أقلام، وبالثاني فارغًا. وضعت بطاقة صغيرة أمامهما، عليها اسمها وكلمتا «محاولتان بالأزرق». لم تكتب أن الأول خطأ والثاني صحيح، ولم تخفِ المقبض القديم خلف الأقلام. وقفت ديمة قريبًا منها، تتأمل أعمال الآخرين، بينما كانت مريم تضبط المسافة بين القطعتين وتقاوم رغبتها في إدارة الأولى إلى زاوية الصورة التي تحبها.

اقترب زائر، وأشار إلى الكوب الأول قائلًا إنه أحب صغر حجمه وشكله. شكرته مريم. ثم حمل الثاني بعد أن استأذن، وقال إن مقبضه يبدو أكبر مما يفضّل. أحست بتلك السرعة القديمة في صدرها، كأن جملة دفاع جاهزة تنهض قبل أن يكتمل كلامه. أبقت يديها على طرف الطاولة، وسألته: «هل تقصد شكله، أم أنك لا ترتاح وأنت تمسكه؟» نظر إلى يده، ثم قال إنه يقصد الشكل فقط.

أجابت بأنها اختارت المساحة الجديدة بعد أن جرّبت قبضة مختلفة مع صديقتها، وأنها ما زالت تحب اللون نفسه في القطعتين. لم تحاول أن تجعل الزائر يفضّل ما تفضّله، ولم تسجل ملاحظته كأمر يجب تنفيذه مساءً. تابع الرجل النظر إلى الأعمال، وبقيت مريم عند الطاولة. قالت ديمة بصوت منخفض: «هذه المرة سألتِه». ابتسمت مريم، ونقلت قلمًا كان يحجب طرف البطاقة.

بعد انتهاء العرض، لفّت الكوب الثاني في الورق، ووضعت الأقلام في حقيبتها قبل أن تلف الأول. في البيت أعادت القديم إلى مكتبها وأعادت إليه الأقلام، أما الجديد فوضعته في المكان الذي أفسحته قرب علبة الشاي. فتحت دفترها لتبدأ رسمًا آخر، وكتبت في أعلى الصفحة سؤالًا عن الشيء الذي تريد صنعه ولمن. ثم توقفت، ومدت يدها إلى الكوب القديم وأخذت قلمًا. كان مقبضه الصغير ظاهرًا هذه المرة، ولم تدره نحو الحائط.