ثقافة ولغة

التواتر السردي: هل تكرر الحدث أم تكررت روايته؟

جرس يدوي نحاسي بجوار قماش أزرق مطوي ودفترين مفتوحين على مكتب في مكتبة
صورة توضيحية مولدة بالذكاء الاصطناعي لمكان القصة المؤلفة؛ الجرس والقماش من عناصر المثال، وليست الصورة توثيقًا لواقعة حقيقية.

التواتر السردي علاقة بين مرات وقوع الحدث ومرات حكايته؛ فقد تتكرر الرواية ويبقى الحدث واحدًا، أو تجمع عبارة واحدة وقائع متعددة. [1] سنختبر الفرق في قصة قصيرة مؤلفة لهذا المقال.

الخلاصة السريعة

ابدأ بتحديد الواقعة المقصودة، ثم افصل عدد حدوثها داخل القصة عن عدد مرات عرضها في النص.

  • يقارن التواتر بين الوقوع والحكي؛ ومن أنماطه المفرد والتكراري والترددي. [1]
  • في مثال المكتبة، رنات الافتتاح في ثلاثة صباحات وقائع منفصلة، بينما سقوط الجرس يوم الخميس واقعة واحدة.
  • عرض كل صباح على حدة يحافظ على مقابلة كل وقوع بحكايته؛ لا تشترط الصورة المفردة أن تضم القصة كلها حدثًا واحدًا. [3]
  • روايتا رنا وهاني عن سقوط الخميس تعودان إلى السقوط نفسه، ولو اختلفت التفاصيل التي يذكرانها.
  • عبارة «في الصباحات الثلاثة» تجمع العادة في مثالنا؛ أما «عادةً» وحدها فلا تعطينا عددًا محددًا.
  • حلّل المقطع إلى وحداته، ولا تمنحه تسمية واحدة إذا جمع عادة وواقعة مفردة ورواية عائدة إليها.
  • الترتيب والمدة والتواتر أسئلة مختلفة عن بناء الزمن السردي. [2]
  • اسند تفسيرك إلى الألفاظ، وسمِّ ما غيرته في التدريب قبل مقارنة النسخة المعدلة بالأصل.

ما الذي نعدّه في التواتر السردي؟

يقارن التواتر بين وقوع الأحداث وحكايتها في ثلاثة أنماط أساسية: المفرد، والتكراري، والترددي. تقابلها هنا المصطلحات Singulative وRepetitive وIterative؛ وسنوضحها بالتمييز بين عدد الوقائع وعدد مرات عرضها. [1]

لنجعل السؤال ملموسًا بقصة من صنعنا: تتولى رنا فتح مكتبة صغيرة، وتقرع جرسًا يدويًا مرة عند الافتتاح صباح الاثنين، ثم تفعل ذلك صباح الثلاثاء، ثم صباح الأربعاء. وفي الخميس، عند العاشرة، يسقط الجرس من حافة المكتب على قطعة قماش زرقاء مطوية، فيسمع هاني ارتطامه الخافت من موضعه قرب الرف. لا نفترض أي سقوط آخر في هذه القصة، ولا نجعل الصورة المصاحبة دليلًا على حدوثها فعلًا.

أمامنا مادة يمكن صياغتها بطرائق مختلفة، لكن ينبغي أولًا الاحتفاظ بنسخة واضحة مما افترضناه. اكتب أسماء الأيام الثلاثة بجوار رنات الافتتاح، ثم اكتب سقوط الخميس في سطر مستقل. هذه الورقة ليست تحليلًا نهائيًا، بل مرجع لتجنب إضافة يوم رابع إلى الافتتاح أو سقوط ثانٍ عند قراءة رواية هاني. سنغيّر طريقة العرض لاحقًا، مع التصريح بكل تعديل ندخله على الوقائع نفسها.

ثبّت حدود الواقعة قبل عدّها

إذا اخترنا «قرع جرس الافتتاح» وحدةً للتحليل، كانت لدينا في المثال ثلاثة وقوعات موزعة على ثلاثة صباحات. أما إذا اخترنا «سقوط الجرس على القماش يوم الخميس»، فلدينا وقوع واحد. لا نجمع العددين تحت تسمية مبهمة مثل «حصل شيء للجرس»، لأن ذلك يمحو الفرق الذي نريد اختباره. سمِّ الفعل وحدوده الزمنية أولًا، ثم تابع الإشارات التي تعود إليه في بقية النص.

قد تضم جملة السقوط أكثر من فعل لغوي: انزلق الجرس، وارتطم بالقماش، وسمع هاني الصوت. في تدريبنا ندرس هذه الأفعال بوصفها أجزاءً من مشهد السقوط، لا ثلاثة سقوطات. ولو كان السؤال عن عدد مرات سماع هاني أصواتًا مختلفة لاحتجنا إلى وحدة أخرى. إعلان الاختيار يمنع خلط ما نعدّه بألفاظ الجملة، ويسمح لقارئ آخر بمراجعة العدد من الافتراضات المكتوبة أمامه.

لنكتب علامة تعريف قصيرة للمشهد: «الخميس، العاشرة، المكتب، القماش الأزرق». إذا جاءت رواية ثانية تحمل العلامات نفسها وتصرح بأنها تتذكر ذلك السقوط، فسنعاملها بوصفها عودة إلى الواقعة المحددة. أما جملة «سقط الجرس صباح اليوم التالي على الأرض» فتضيف واقعة جديدة في نسخة معدلة. تشابه اسم الجرس لا يلغي اختلاف اليوم والسطح، ولذلك لا يصح جمع المشهدين تلقائيًا في خانة واحدة.

افهم السرد المفرد دون حصر القصة في حدث واحد

يشمل النمط المفرد أيضًا أن تُحكى وقائع متعددة كلٌّ منها مرةً في مقابلة مستقلة؛ فالمقصود علاقة العرض بوقوعاته، وليس اشتراط وجود واقعة وحيدة في العمل كله. هذا التفصيل يفسر إمكان بقاء المقابلة مفردة مع تعدد الأيام أو الأفعال التي يعرضها النص. [3]

يمكن صياغة افتتاح المكتبة هكذا: «قرعت رنا الجرس صباح الاثنين قبل أن تفتح الباب. وفي صباح الثلاثاء قرعته ثم أعادت قلمًا إلى المكتب. أما الأربعاء فقرعته بعد أن أبعدت دفترًا عن الحافة». هذه الجمل مؤلفة، وكل صباح منها معروض على حدة. التفاصيل الجديدة عن القلم والدفتر تخص هذه الصياغة التدريبية، ولا تمنحنا سببًا لافتراض أن الرنات الثلاث حدثت في صباح واحد أو أن أي رنة أعيدت.

ضع خطًا تحت اسم كل يوم، ثم صِل وصف القرع باليوم الذي يخصه. ستجد ثلاث مقابلات واضحة، ولا تحتاج إلى جعل عدد الفقرات مساويًا لعددها: يمكن جمع الجمل في فقرة واحدة أو توزيعها في ثلاث فقرات. في الحالتين تظل الوقائع معروضة منفصلة بهذا النص. لذلك لا تعتمد شكل الصفحة وحده معيارًا، بل راقب كيف تعيّن العبارات ما حدث وفي أي صباح حدث.

تعرف إلى إعادة حكاية الحدث الواحد

في السرد التكراري تُحكى الواقعة الواحدة أكثر من مرة؛ فتعدد عرضها لا يعني تعدد وقوعها، سواء عاد إليها الصوت نفسه أم رواها صوت آخر. [1]

هذه رواية رنا في مثالنا: «عند العاشرة يوم الخميس انزلق الجرس من الحافة وسقط على القماش الأزرق، فمددت يدي إليه». ثم يقول هاني: «كنت قرب الرف عندما سمعت ارتطام الجرس بالقماش في تلك اللحظة نفسها؛ التفتُّ فوجدت رنا تمد يدها». العبارتان تحكيان سقوط الخميس المحدد. الثانية تضيف موضع هاني وما سمعه، لكنها لا تخبرنا بأن الجرس سقط مرة أخرى بعد أن رفعته رنا.

قارن ما تضيفه الرواية الثانية فعلًا: نعرف منها أن هاني لم يكن عند المكتب، وأن الصوت سبَق التفاته في قوله. لا نعرف من العبارتين سبب الانزلاق، ولا نستطيع وصف رنا بالإهمال اعتمادًا عليهما وحدهما. وإذا حذفنا كلام هاني بقي خبر السقوط ومد اليد، واختفى وصف تلقيه للمشهد. هذا أثر يمكن إثباته من النسختين، بخلاف افتراض أن أحد الصوتين يكذب لمجرد اختلاف زاوية عرضه.

ميّز حكاية العادة من تفصيل كل مرة

تجمع الصيغة الترددية وقوعات متعددة في حكاية واحدة. ومع ذلك، يحتاج اعتبار الأفعال متكررة إلى تحديد وجه التشابه الذي نجمعها على أساسه؛ فلا يلزم أن تتطابق جميع التفاصيل المصاحبة لكل وقوع. يلفت بحث التواتر إلى أن هوية المتكرر تُبنى على مستوى الاختيار والتحليل. [3]

لنختصر جزء الافتتاح من قصتنا إلى العبارة الآتية: «في الصباحات الثلاثة، من الاثنين إلى الأربعاء، كانت رنا تقرع الجرس مرة عند فتح المكتبة». نعرف العدد لأن حدود الأيام مذكورة، لكننا لا نقرأ وصفًا منفصلًا لكل صباح. كما أن هذه العبارة لا تنقل تفاصيل القلم والدفتر الموجودة في النسخة السابقة. صار لدينا وصف يجمع الرنات، مع بقاء سقوط الخميس خارج العادة التي تشير إليها العبارة.

إذا استبدلنا البداية بقولنا «كانت رنا تقرع الجرس عادةً عند الافتتاح»، فلن يعود العدد ثلاثة معلومًا من الجملة وحدها. وإذا كتبنا «في تلك الصباحات، باستثناء الثلاثاء»، تغيّر نطاق الوقائع المشمولة في هذا التعديل. عند المقارنة، اذكر الفرق الذي صنعتَه ولا تحتفظ بالعدد القديم بعد حذف سنده. تستطيع إبقاء وصف العادة مفتوحًا عندما لا تحتاج القصة إلى حصر أيامها؛ المهم ألا يقدم تحليلك دقة لم يمنحها النص.

حلّل المقطع المختلط وحدةً وحدة

يمكن أن نبدأ فقرة بعبارة الصباحات الثلاثة، ثم نروي سقوط الخميس، ثم نورد كلام هاني عن السقوط نفسه. في هذا الترتيب، ستقودك تسمية واحدة للفقرة إلى إغفال بعض ما يحدث فيها. قسّمها في ملاحظاتك إلى افتتاحات مجموعة، وسقوط معروض، وعودة إلى ذلك السقوط. بعد هذا الفصل تستطيع وصف كل علاقة دون مطالبة النص بأن يلتزم نمطًا واحدًا من بدايته إلى نهايته.

جرّب إعداد ثلاثة أسطر على ورقة: اكتب في الأول العبارة القصصية، وفي الثاني الواقعة أو الوقائع التي تشير إليها، وفي الثالث القرينة التي اعتمدت عليها. ستكون قرينة العادة «الصباحات الثلاثة»، وقرينة العودة في كلام هاني «تلك اللحظة نفسها» مع الجرس والقماش. إذا وجدت سطرًا لا تستطيع ملء خانة قرينته، فارجع إلى المقطع قبل أن تمنحه تسمية جازمة أو تضيف إليه وقتًا غير مذكور.

احتفظ أيضًا بخانة لما لا نعرفه. فقول هاني إنه سمع الصوت لا يحدد ارتفاع السقوط، ولا يخبرنا بأن الجرس انكسر. ووجود القماش لا يكفي وحده لإثبات أنه وُضع عمدًا لحماية الجرس. هذه التفاصيل قد تصلح لتطوير القصة في تمرين كتابة لاحق، لكنها إضافات إلى النسخة الحالية. فصلها عن المعلومات المعطاة يجعل تحليل التواتر دقيقًا، ويمنع تحويل كل احتمال جميل إلى واقعة محسوبة.

افصل التواتر عن الترتيب والمدة

يسأل ترتيب السرد عن مواضع عرض الأحداث قياسًا إلى تعاقبها، بينما تتعلق المدة بالعلاقة الزمنية بين الحدث وعرضه. أما التواتر فيتعلق بمرات حكايته. الفصل بين هذه الأسئلة يتيح وصف أكثر من جانب في المقطع نفسه دون استعمال المصطلحات الثلاثة مترادفات. [2]

لو بدأنا بكلام هاني عن الخميس، ثم عدنا إلى افتتاحات الاثنين والثلاثاء والأربعاء، لتغير ترتيب وصول المعلومات إلى القارئ. لكن عدد الرنات التي افترضناها لا يتغير بهذا النقل، ولا يصبح السقوط حادثتين. اكتب تحت النسخة المعدلة ملاحظة محددة: قدمتُ خبر الخميس على الأيام السابقة. ثم افحص بصورة مستقلة هل ما زالت روايتا السقوط موجودتين، أم حذفت إحداهما أثناء إعادة ترتيب الفقرات دون أن تنتبه.

ويمكن إطالة رواية رنا بإضافة وصف لمعان الجرس وحركة يدها، أو اختصارها إلى جملة قصيرة. لا يجعل الطول وحده روايتها وقوعين، كما أن حذف بعض الوصف لا يثبت غياب وقوع سابق. في تمريننا نحافظ على السقوط الواحد، ونغير مساحة الكلام عنه. ولمنع تداخل التجارب، قارن أولًا نسختين تختلفان في الترتيب فقط، ثم نسختين تختلفان في التفصيل، قبل تجربة تعديل يمس أكثر من جانب معًا.

اكتب تحليلًا يمكن مراجعته من النص

يمكن صياغة نتيجة التدريب هكذا: «يجمع وصف الافتتاح ثلاث رنات في عبارة واحدة، ثم يعرض سقوط الخميس في روايتي رنا وهاني. وتربط الإشارة إلى اللحظة نفسها الرواية الثانية بالسقوط السابق». هذه فقرة قصيرة تسمي العلاقة وتذكر دليلها. تستطيع بعدها شرح ما تضيفه شهادة هاني عن موضعه وسماعه، بدل إطالة التحليل بعبارات عامة عن أهمية الزمن لا توضح شيئًا محددًا في القصة التي بين أيدينا.

للتدريب المضاد، استبدل كلام هاني بجملة تقول إنه أعاد الجرس إلى المكتب ثم رآه يسقط ثانيةً على الأرض بعد الظهر. في هذه النسخة أضفنا سقوطًا جديدًا وغيّرنا سطح الاصطدام وتوقيت المشهد؛ لذلك لا يجوز تقديمها بوصفها مجرد رواية ثانية لسقوط القماش. اكتب التعديل كاملًا قبل الحكم عليه، ثم ارجع إلى النسخة الأصلية حتى لا تتسرب التفاصيل المضافة إلى وصفك لما كانت تقوله.

راجع أخيرًا الأسماء والأزمنة التي استعملتها: هل نسبت رنات الافتتاح إلى الصباحات الثلاثة؟ وهل أبقيت القماش مرتبطًا بسقوط الخميس عند العاشرة؟ وهل فرّقت بين ما قالته رنا وما وصفه هاني؟ إذا أجبت عن هذه الأسئلة من العبارات نفسها، صار تحليلك قابلًا للمناقشة. وعند الانتقال إلى قصة أخرى، ابدأ من وحداتها وقرائنها، واترك عدد الوقائع مفتوحًا حين لا يسمح نصها بإغلاقه على رقم محدد.

المصادر ومتابعة القراءة

  1. دليل السرديات بجامعة هامبورغ: الزمن (يفتح في نافذة جديدة)www-archiv.fdm.uni-hamburg.de
  2. جامعة توبنغن: الزمن في التحليل السردي (يفتح في نافذة جديدة)uni-tuebingen.de
  3. خوسيه أنخل غارسيا لاندا، جامعة سرقسطة: التواتر في الحكي (يفتح في نافذة جديدة)personal.unizar.es

أُعدّ هذا المقال بصياغة عربية أصلية بالاستناد إلى المصادر أعلاه، وهو مدخل تمهيدي إلى الموضوع. اقرأ منهجية المحتوى وحدوده.