ثقافة ولغة

خواطر عن انتظار السفر: حقيبة جاهزة ورحلة مؤجلة

حقيبة سفر قماشية زيتونية اللون بمقبضين وحزام على مقعد خشبي في قاعة هادئة
صورة تخيلية مولدة بالذكاء الاصطناعي ترافق النصوص؛ لا توثق محطة أو رحلة حقيقية.

يربط المعجم الوسيط الانتظار بمعاني الترقب والتوقع. [1] وهذه خواطر عن انتظار السفر من تأليف جديد، تتصل مشاهدها بصوت راوٍ متخيل وحقيبة جاهزة لرحلة تأجلت. الأشخاص والحوار والأحداث خيالية، والنصوص ليست اقتباسات من كاتب آخر أو رواية لتجربة واقعية.

الخلاصة السريعة

تتبع هذه الخواطر رحلة متخيلة من تجهيز الحقيبة إلى العودة بها، مع بقاء موعد السفر مفتوحًا.

  • تجمع الحقيبة في البداية أشياء صغيرة من البيت، بينما يحمل الراوي تصورًا أكبر للرحلة.
  • يكشف عبور الممر أن الاستعداد للرحيل يختلف عن حدوثه فعلًا.
  • يخلي الراوي المقعد المجاور ليجلس شخص آخر، ويلاحظ حركة قاعة الانتظار حوله.
  • يصل خبر التأجيل دون موعد جديد، ويبقى شعور الراوي معلقًا بين قرار وخبر ناقص.
  • يصير وزن الحقيبة أثناء العودة أثرًا ملموسًا لرحلة لم تبدأ، مع بقاء الطريق نفسه مألوفًا.
  • يعود الراوي إلى البيت، ويختار أن يقول ما جرى كما هو دون اختراع حكاية سفر.
  • في الختام يلف الراوي الوشاح الأزرق حول مقبض الحقيبة، ويبقى موعد السفر غير محدد.

الحقيبة إلى جوار الباب

وضعت الحقيبة عند الباب قبل أن أنتهي من ترتيب الغرفة. بدت أكثر استعدادًا مني؛ سحابها مغلق، وحزامها مطوي على ظهرها، وليس في شكلها ما يدل على أنني أعدت فتحها مرات لأضيف شيئًا ثم أخرجه. كنت أبحث بين الأشياء عن يقين صغير يصلح للحمل، لكن كل ما وجدته كان قميصًا نظيفًا، وجوربين، ووشاحًا أزرق أعرف ملمسه جيدًا.

لم آخذ الوشاح لأنني أعرف برد المكان الذي سأصل إليه. أخذته لأن طرفه البالي مرّ طويلًا بين أصابعي في البيت، ولأنني أحببت أن يكون في الحقيبة شيء لم أشتره من أجل الرحلة. طويته ووضعته قرب السحاب، ثم فتحت الحقيبة مرة أخيرة لأتأكد أنه هناك. كان الاستعداد، في تلك اللحظة، ترتيبًا لما أستطيع لمسه.

أما ما لم أستطع لمسه فتركته خارجها: أول شارع سأمشي فيه، والوجه الذي سأراه حين أصل، والطريقة التي سأقول بها إن الطريق مرّ بسلام. أعطيت هذه الصور تفاصيل كثيرة قبل أن أغادر، حتى خُيل إليّ أنني تأخرت عن مدينة أعرفها. ثم نظرت إلى الساعة، فوجدت أنني ما زلت في غرفتي، وأن الباب لم يُفتح بعد.

حملت الحقيبة إلى الممر، وعدت لأطفئ الضوء. لم يكن في هذا الفعل شيء احتفالي، ومع ذلك أبطأت عند المفتاح. رأيت ضوء الغرفة يختفي وبقي خط رفيع من النهار تحت الستارة. أغلقت الباب بهدوء، ووقفت أستمع إلى استقرار المزلاج، كأنني أريد أن أحفظ صوت البداية قبل أن تختلط به أصوات الطريق.

خطوة أطول من الممر

في الممر قابلت جاري وهو يحمل كيسًا صغيرًا، فسألني إن كنت قد بدأت رحلتي. رفعت الحقيبة قليلًا وقلت إنني في الطريق. كانت إجابة صالحة للممر كله؛ فقد ابتعدت عن بابي، ولم أصل إلى الموضع الذي يجعل السفر خبرًا يمكن حكايته. ابتسم الرجل، وأفسح لي مجالًا، ثم تابع نحو شقته كأننا تبادلنا تحية عادية.

نزلت الدرج وأنا أراقب الحقيبة كيلا تصطدم بالحافة. في كل درجة كانت يدي تتقدم ثم تلحق بها قدمي. تذكرت أنني تخيلت الرحيل واسعًا ومفتوحًا، بينما كانت بدايته هذه المساحة الضيقة بين الدرابزين والجدار. لم أنزعج من صغرها؛ استغربت فقط أن الخيال يضعنا سريعًا في المكان البعيد، ويترك حمل الأمتعة لجسد يعرف تفاصيل السلالم.

عند مدخل البناية توقفت لأعدل الحزام. وجدت في جيب الحقيبة الخارجي قطعة خبز ملفوفة كنت قد وضعتها ونسيتها، فتركتها هناك. لم تكن جزءًا من صورة السفر التي رتبتها في ذهني، لكنها صارت الآن جزءًا من صباحه. مر عامل يكنس الرصيف، فرفعت قدمي عن طرف مكنسته، واعتذرت، ثم مشيت. لم يتوقف الحي لأنني أوشكت أن أغادره.

نظرت خلفي مرة واحدة، فرأيت نافذتي بين نوافذ كثيرة. لم تبد مختلفة بسبب غيابي المرتقب، ولم يكن فيها ما يشير إلى الحقيبة التي خرجت من تحتها. أعجبني هذا قليلًا وأحزنني قليلًا. كنت أرغب أن يتسع اليوم لحدثي الصغير، وأعرف في الوقت نفسه أن للشارع صباحات كثيرة لا يعرف أصحابها شيئًا عن موعدي.

المقعد المجاور

في قاعة الانتظار وضعت الحقيبة على المقعد المجاور، ثم أنزلتها إلى جوار قدمي حين رأيت شخصًا يبحث عن مكان. جلس وأشار برأسه شكرًا، وانشغل بترتيب أكمامه. لم نتحدث. بقيت بيننا مسافة صغيرة، وكانت كافية كي أشعر أن للمقعد غرضًا أبسط من حمل خيالاتي: أن يجد متعب آخر موضعًا يجلس فيه.

تابعت حركة القاعة من مكاني. رجل يطوي غلاف طعامه بعناية، وامرأة تقف ثم تجلس، ويد تمتد لتعيد حقيبة إلى صاحبها. لم أعرف وجهة أحد، ولم يكن من حقي أن أضع لهم حكايات مكتملة من حركة عابرة. اكتفيت بما رأيته، ووجدت في ذلك انشغالًا خفيفًا يختلف عن إعادة رسم وصولي في ذهني.

كانت نافذة القاعة تعكس بعض الداخل وتكشف بعض الخارج. إذا قربت وجهي رأيت الشارع، وإذا تراجعت ظهر صف المقاعد على الزجاج. جربت المسافتين دون قصد، ثم ضحكت في نفسي من هذه الرحلة القصيرة التي لا تحتاج إلى حقيبة. كان يمكنني رؤية العالم خلف النافذة، لكن مكان قدمي ظل هو البلاط نفسه تحت المقعد.

أخرجت قطعة الخبز وقسمتها بيدي، وجمعت الفتات في غلافها حتى لا يبقى على الخشب. لم أجعل الأكل وسيلة لنسيان الرحلة؛ كنت جائعًا فحسب. وفي تلك البساطة راحة مؤقتة: ثمة شيء أعرف حاجتي إليه وأستطيع فعله، من غير أن أسأل القاعة متى تنتهي، أو أطلب من النافذة جوابًا لا تملكه.

خبر لا يحمل موعدًا جديدًا

حين سمعت خبر التأجيل، لم أفهمه دفعة واحدة. عرفت أن موعدي القديم لم يعد قائمًا، ثم بقيت أنتظر بقية الجملة. تصورت أن الخبر لا بد أن ينتهي برقم آخر أضعه مكان الرقم الذي أحفظه. لكن الصوت توقف، وعاد الكلام العادي إلى القاعة، وبقي في رأسي موضع للجملة التي لم تُقل.

سألت الموظف عن الموعد الجديد، فقال إنه لم يتحدد بعد. لم يكن صوته قاسيًا، ولم يحمل لي تطمينًا خاصًا. عدت إلى المقعد وأنا أعيد عبارته كما سمعتها، دون أن أضيف إليها «قريبًا» من عندي. كانت الكلمة التي لم يقلها أشد حضورًا من الكلمات التي قالها، لأنني كنت أبحث عن شيء أرتب عليه بقية يومي.

لم أغضب من المسافر الذي تابع طعامه، ولا من الرجل الذي غادر وهو يضحك مع صاحبه. أردت فقط أن يبطؤ المكان قليلًا، أن يعترف بأن تفصيلًا واحدًا تغير عندي. لكن المقاعد لم تتبدل، والنافذة بقيت في مكانها، والحقيبة عند قدمي محافظة على شكل الرحلة القديمة، كأن أحدًا لم يبلغها بما حدث.

انتظرت قليلًا، ثم جمعت غلاف الخبز وحملت الحقيبة. لم يكن في ذهني خطاب مناسب عن الصبر، ولا عبارة جميلة أستعيرها كي يبدو الموقف أوسع مما هو. كان لدي موعد أُلغي من يومي، ولم يُكتب مكانه موعد آخر. وهذا، على قصره، هو الخبر الذي استطعت حمله معي حين خرجت من القاعة.

وزن المقبض في طريق العودة

في طريق العودة بدا المقبض أضيق مما كان عند الذهاب. لم أزد شيئًا في الحقيبة، ولم يتغير ثقل القميص أو الجوربين، لكن يدي كانت تلتفت إلى الحمل الآن. بدلتها بيدي الأخرى، ومشيت ببطء عند الزاوية التي تجاوزتها مسرعًا في الصباح. لم يكن لي في الشارع دور المسافر المستعجل، ولم أعرف بعد دورًا بديلًا.

مررت بالمخبز الذي خرج منه ضوء أصفر على الرصيف. كان البائع يرتب ما بقي في واجهته، فاشتريت رغيفًا للبيت. وضعته فوق الحقيبة لحظة ربط حذائي، فضحكت من اجتماع الرغيف والأمتعة. كنت قد أعددت الحقيبة لما وراء هذا الحي، وها هي تساعدني في حمل عشاء أعرف مكانه على الطاولة معرفة لا تحتاج إلى وصف.

لم أشعر أن الرغيف عوضني عن الرحلة، ولم أكره الطريق لأنه أعادني إلى بدايته. كنت أرى الأشياء على غير الترتيب الذي منحتها إياه صباحًا. المخبز لم يعد علامة أمر بها قبل المغادرة، بل صار موضعًا أتوقف عنده وأنا راجع. والزاوية نفسها حملت خطوتين مختلفتين، دون أن تتحرك حجرًا واحدًا من مكانها.

عند البناية نزعت الحزام عن كتفي وحملت الحقيبة من المقبضين معًا. كان طرف الوشاح الأزرق قد ظهر قرب السحاب، فأعدته إلى الداخل كيلا يعلق. لم أفكر يومها في معنى لهذه الحركة؛ انتبهت إلى القماش فحسب. بقيت رغبتي في السفر كما هي، لكنني احتجت في تلك اللحظة إلى يد فارغة تفتح باب البيت.

العودة من رحلة لم تبدأ

وجدت جاري في الممر مرة أخرى. نظر إلى الحقيبة ثم قال إنني عدت سريعًا. ترددت قبل أن أجيبه؛ كانت الجملة الجاهزة في فمي «تغيرت الخطط»، لكنني قلت: «لم أسافر بعد». أفسحت العبارة مكانًا لما حدث فعلًا، من غير حكاية طويلة أشرح بها لماذا أقف عند الباب نفسه حاملًا الأمتعة نفسها.

دخلت الغرفة وأعدت إضاءة المصباح. لم أجد فرقًا كبيرًا بين الضوء الذي أطفأته والضوء الذي عاد، ومع ذلك لم تكن حركتي هي نفسها. وضعت الرغيف على الطاولة، والحقيبة على الأرض، ثم جلست قليلًا دون أن أفتحها. كنت أحتاج أن أصل إلى غرفتي بقدر ما احتجت صباحًا أن أخرج منها.

بعد ذلك أخرجت القميص وأعدته إلى موضعه. لم أعتبر هذه الحركة إعلانًا بأن السفر انتهى، ولا تركته في الحقيبة كي أثبت أنني ما زلت مصممًا عليه. كان القميص يحتاج إلى علّاقة ملابس، وكانت الحقيبة تحتاج أن تُفتح. فعلت الأمرين، ثم أخرجت الوشاح وبسطته أمامي، فرأيت طيته المائلة التي لم أحسن ترتيبها في الصباح.

بقي على طرفه خيط صغير مفكوك. أمسكت به ثم تركته كيلا أسحبه أكثر. تذكرت كيف جعلت من تجهيز الأشياء علامة على أن الطريق صار جاهزًا أيضًا. الآن كانت الأغراض خارجة من الحقيبة، والطريق ما زال سؤالًا. لم أملك جوابًا أفضل، لكنني لم أعد مضطرًا إلى إبقاء السحاب مغلقًا طوال الليل كي يبدو السؤال أقل وضوحًا.

وشاح أزرق على المقبض

قبل النوم أعدت طي الوشاح، ثم غيرت رأيي ولففته برفق حول أحد المقبضين. لم يكن علامة على موعد جديد، بل تفصيلًا أردت أن أراه حين أعود إلى الحقيبة. تركت طرفه البالي ظاهرًا بدل أن أخفيه في الجيب. لا أعرف لماذا أحببت هذه المرة أن يبدو الشيء مألوفًا كما هو، لا جاهزًا بصورة كاملة.

وقفت أنظر إلى الحقيبة بعد أن خف حملها. كان شكلها ألين، وأحد جانبيها يميل قليلًا إلى الداخل. أعجبني أنها لا تعرف شيئًا عن حرج العودة، وأنها تستطيع أن تبقى على الأرض دون تفسير. مررت بيدي على القماش لأزيل فتاتًا صغيرًا علق به، ثم وضعتها قرب الخزانة، بعيدًا عن الطريق إلى الباب.

لم أكتب للغد نهاية أرغب فيها، ولم أقل إن تأخيرًا واحدًا سيحمل لي حكمة لا بد أن أفهمها. كل ما أعرفه أنني سأستيقظ في هذه الغرفة، وأن الحقيبة ستكون هنا بوشاحها الأزرق. قد أحتاج إليها لاحقًا، وقد يبقى السؤال مفتوحًا وقتًا أطول مما أحب. تركت الاحتمالين دون أن ألبس أحدهما ثياب الخبر.

وحين أطفأت المصباح، تذكرت صوت المزلاج في الصباح. كنت قد حسبته أول أصوات الرحلة، فإذا به أول أصوات يوم آخر لا أعرف اسمه بعد. لم أمحُ رغبتي في المكان البعيد، ولم أضعها في فم جملة كبيرة. أبقيتها إلى جوار الأشياء التي تخصني، فيما استقر الوشاح على المقبض، وبقي الباب مغلقًا هذه الليلة فقط.

المصادر ومتابعة القراءة

  1. مجمع اللغة العربية بالقاهرة: انتظر في المعجم الوسيط (يفتح في نافذة جديدة)arabicacademy.gov.eg

أُعدّ هذا المقال بصياغة عربية أصلية بالاستناد إلى المصادر أعلاه، وهو مدخل تمهيدي إلى الموضوع. اقرأ منهجية المحتوى وحدوده.