انضمت رُبى إلى نادي القراءة وفي حقيبتها كتاب وأسئلة عن نهايته. لم تتوقع أن يصبح السؤال الأصعب متعلقًا بها هي. «المقعد السادس» قصة عربية أصلية؛ الشخصيات والأحداث والمكان متخيلة، وكذلك النص الذي يناقشه أفراد النادي داخل الحكاية.
الخلاصة السريعة
تكشف هذه الخلاصة أحداث القصة ونهايتها: تبحث رُبى عن مكان تشارك فيه قراءتها دون أن تضطر إلى شرح حياتها، وتمنح المجموعة فرصة ثانية بعد لقاء مرتبك.
- تصل رُبى إلى مكتبة صغيرة، وتنضم إلى خمسة قراء يعرف بعضهم بعضًا منذ مدة.
- تلاحظ أن المجموعة تربط كل رأي بحكاية شخصية، وتتعثر حين يُطلب منها أن تفعل الشيء نفسه.
- تختلف مع تفسيرهم لنهاية قصة، فيحاول أحدهم تفسير رأيها من خلال حياتها التي لا يعرفها.
- توضح أنها لا تريد الحديث عن نفسها، ثم تغادر في موعدها دون وعد بالعودة.
- تعتذر منسقة اللقاء عن الضغط، وتعرض عليها مشاركة أدبية لا تشترط الإفصاح الشخصي.
- تعود رُبى، ويستمر الاختلاف حول النص مع احترام اختيارها لما تقوله.
- في اللقاءات اللاحقة يبقى مقعدها ضمن المجموعة، وتشارك بسؤال عن القصة بدل أن تقدم حكاية عن حياتها.
كرسي عند طرف الطاولة
دفعت رُبى باب المكتبة بكتفها لأن يدها كانت تحمل كوبًا كاد غطاؤه ينفصل. أوقفته على الرف القريب من المدخل، ثم التقطت الكتاب الذي انزلق تحت ذراعها. من وراء طاولة مستطيلة لوحت لها امرأة ذات نظارة حمراء. قالت: «رُبى؟ أنا ميس. وصلنا جميعًا». أحست رُبى أن كلمة «جميعًا» سبقتها إلى الغرفة، وأن عليها الآن أن تجد مكانًا في شيء اكتمل قبل وصولها.
كان هناك خمسة كراسٍ مشغولة، وكرسي سادس عند الطرف القريب من الباب. سحبت ميس حقيبة عنه، ثم مسحت بيدها فتات بسكويت لم يكن كثيرًا. اعتذرت عن الحقيبة، وأخذت تعرفها إلى الآخرين: حازم، ودانية، ويوسف، وسحر. كررت رُبى الأسماء في سرها وربطت كل اسم بشيء: كم أزرق، وقلم أخضر، ونظارة معلقة بخيط، ومنديل مطوي تحت كوب.
وجدت النادي من إعلان صغير على واجهة المكتبة. لم يكن يعد بشيء كبير؛ لقاء لقراءة قصة قصيرة ومناقشتها، مساء الخميس. طلبت النص قبل أسبوع، وقرأته مرتين، وتركت عند نهايته علامة بقلم رصاص. كانت تريد سماع تفسير آخر للجملة الأخيرة، ثم العودة إلى بيتها ومعها احتمال لم يخطر لها. لهذا بدا لها الكرسي الخشبي، على ضيقه، مناسبًا تمامًا لما جاءت من أجله.
قبل البداية، تبادل الحاضرون أخبارًا لم تعرف أطرافها. سأل يوسف سحر عن سقف المطبخ، وضحك حازم حين ذكر أحدهم معطفًا أحمر. ابتسمت رُبى معهم ثم توقفت، خشية أن تبدو كمن فهم النكتة. لاحظت ميس ذلك وشرحت لها قصة المعطف في جملتين. شكرتها رُبى، وأحضرت كوبها من رف المدخل، ثم فتحت كتابها. لم يكن أحد غير لطيف، لكن دخول الحديث احتاج إلى مفاتيح أكثر مما توقعت.
حكاية وراء كل رأي
بدأت دانية بالكلام عن امرأة في القصة تغادر بيتًا بعد أن تترك غطاء قدر قرب النافذة. قالت إن المشهد ذكرها بأمها، التي كانت تضع الأشياء في أماكن غير معتادة قبل السفر. تبعها يوسف بحكاية عن حقيبة نسيها في سيارة أخيه. كان الانتقال من الورق إلى الذكريات سلسًا بينهم؛ لا يعلن أحد أنه سيحكي، ولا يسأله أحد لماذا اختار تلك الذكرى بالذات.
أصغت رُبى باهتمام. أعجبتها طريقة سحر في تذكر تفصيل صغير ثم الرجوع إلى النص، وأضحكتها حقيبة يوسف التي عادت إليه وفيها خبز لم يشتره. لكنها لم تجد في ذاكرتها شيئًا تريد وضعه على الطاولة. كلما اقترب الدور منها قلبت الصفحة إلى العلامة الرصاصية، كأنها تثبت لنفسها أن لديها ما تشارك به، وأن هذا الشيء موجود فعلًا بين سطور الكتاب.
سألتها ميس أخيرًا: «وأنت، بمن ذكرتك المرأة؟» أجابت رُبى: «لم أتخيل شخصًا أعرفه. كنت أفكر في الغطاء». ابتسم حازم وقال إن وراء هذا الغطاء حكاية بالتأكيد. لم تعرف إن كان يقصد حكاية المرأة أم حكايتها هي. شرحت أن الغطاء تُرك على حافته، لا مسطحًا، وأنها عادت إلى أول النص لتعرف إن كانت النافذة مفتوحة أو مغلقة في ذلك الوقت.
مال يوسف نحو نسخته يبحث عن العبارة. أما حازم فسألها إن كانت تحب ترتيب الأشياء في بيتها بهذه الدقة أيضًا. ضحكت رُبى ضحكة قصيرة، وقالت إن بيتها ليس موضوعًا مثيرًا. أرادت أن تبدو العبارة خفيفة، لكنها خرجت أبرد مما قصدت. حاولت ميس إعادة الكلام إلى القصة، فطلبت منها أن تشرح لماذا اهتمت بالنافذة. تنفست رُبى ووضعت إصبعها على السطر الذي جاءت تسأل عنه.
النهاية التي اختلفوا عليها
كانت الجملة الأخيرة تصف ضوء المساء على الغطاء، ولا تذكر عودة المرأة أو استمرار غيابها. رأى حازم أنها رحلت نهائيًا، وأن ترك الشيء الصغير دليل على قطعها صلتها بالبيت. قالت رُبى إنها قرأت المشهد بطريقة مختلفة: ربما خرجت ساعات قليلة، وإن القصة تركت الباب مفتوحًا لعودتها. أشارت إلى الملابس المبللة التي علقتها المرأة قبل الخروج، وإلى أنها لم تحمل إلا كيسًا صغيرًا.
اعترضت سحر بأن الناس قد يتركون أكثر من الملابس حين يقررون الرحيل. وافقتها رُبى، وأضافت أن الكيس لا يحسم شيئًا أيضًا. لم تكن تريد إثبات نهاية واحدة؛ ما أزعجها هو اتفاقهم السريع على أن الغياب لا رجعة فيه. قرأت الجملة مرة أخرى، ببطء، ثم رفعت عينيها. لأول مرة منذ جلوسها شعرت أنها داخل الحديث، حتى وهي تختلف مع معظم الجالسين حولها.
قال حازم: «يبدو أنك لا تحبين النهايات التي يترك فيها الناس بعضهم». صمتت رُبى لحظة. كان يستطيع أن يقول إنها تتمسك باحتمال ضعيف، أو إنها لم تنتبه إلى مشهد سابق، وكان يمكنها أن تجيبه من الكتاب. أما هذه العبارة فنقلتها إلى كرسي آخر، كرسي شخص يجري تفسيره. سألته: «هل نتحدث عن قراءتي، أم عن سبب تتخيله لقراءتي؟» خفض يوسف عينيه إلى صفحته.
رفع حازم كفيه وقال إنه لم يقصد شيئًا، وإنهم اعتادوا الحديث بحرية. أجابت رُبى بأنها لاحظت ذلك، لكنها لا تعرفهم بعد، ولا تريد أن تبدأ بالتخمين عن حياة كل واحد منهم. احمر وجهه قليلًا. قالت دانية إنها تفهم سؤاله على أنه محاولة تعارف، ثم توقفت عندما رأت رُبى تغلق الكتاب بإصبعها في المنتصف. لم يكن الخلاف حول المرأة المتخيلة وحدها بعد الآن.
ما لا تريد رُبى شرحه
أرادت رُبى أن تنهض فورًا، لكنها لم تفعل. نظرت إلى كوبها ثم قالت: «أنا أحب أن أسمع حكاياتكم حين تختارون أن تقولوها. اليوم أريد أن أتحدث عن هذه القصة فقط». لم تضف أنها مرّت بتجربة معينة، ولم تنفِ ذلك. تركت العبارة قصيرة، مع أنها أحست بحاجة قوية إلى تزيينها باعتذار يجعل الآخرين أكثر ارتياحًا. أبعدت إصبعها، وأعادت فتح الكتاب على الصفحة الأخيرة.
قالت ميس: «نستطيع أن نفعل ذلك». ثم سألت يوسف عن الموضع الذي كان يبحث عنه. وجد يوسف وصف النافذة في البداية، وقرأه بصوت منخفض. أخذ الحديث يتحرك من جديد، بحذر يشبه حركة الناس حول كوب مكسور لم يروا مكان شظاياه. ضايق رُبى هذا الحذر أيضًا؛ لم تكن تريد أن يخافوا كل كلمة يقولونها أمامها. لكنها لم تعرف كيف تزيله دون التراجع عما طلبته.
قبل نهاية اللقاء، رجعت سحر إلى احتمال الرحيل، وهذه المرة بنت رأيها على مشهد أقدم في النص. استمعت رُبى، ووافقتها على أنها أغفلت تلك العبارة. لم يتغير تفسيرها كله، لكنه صار أقل اطمئنانًا. ارتاحت لهذا النوع من التراجع؛ كان متعلقًا بصفحة يمكن للجميع رؤيتها. كتبت ملاحظة صغيرة، وبقي حازم يستمع من دون أن يشارك في الجولة الأخيرة. لاحظت صمته ولم تسأله أن يطمئنها.
حين حان وقت المغادرة، أعادت رُبى الكرسي إلى مكانه وحملت كوبها الفارغ. سألتها ميس إن كانت تريد نص الأسبوع المقبل، فقالت إنها سترسل لها جوابًا غدًا. لم تعدها بالحضور ولم تقل إنها لن تعود. في الشارع مشيت قليلًا قبل أن تفتح هاتفها. كانت الرسالة التي همّت بإرسالها تبدأ بشرح طويل لشخصيتها، ثم أدركت أنها لا تريد كتابة ما رفضت قوله داخل الغرفة.
دعوة لا تطلب تفسيرًا
في صباح اليوم التالي، وجدت رسالة من ميس. لم تسألها عما ضايقها في الماضي، ولم تقل إن حازم طيب وعليها ألا تأخذ كلامه بجدية. كتبت: «تأخرت في إعادة الحديث إلى النص. جعلنا التعارف يبدو كأنه شرط للمشاركة، وأعتذر عن ذلك. إن رغبت في العودة، يمكنك مناقشة القصة من دون حكاية شخصية». قرأت رُبى الرسالة وهي تنتظر غليان الماء، ثم تركت الهاتف قرب الإبريق.
كانت تستطيع أن تختار مجموعة أخرى، أو أن تقرأ وحدها كما فعلت طويلًا. لم يكن عليها إنقاذ هذا اللقاء من إحراج انتهى بالأمس. ومع ذلك تذكرت سؤال سحر الأخير، والطريقة التي بحث بها يوسف عن وصف النافذة. هناك شيء أرادت العودة إليه، مستقل عن رغبتها في أن يرضى عنها أحد. فتحت الكتاب، ووجدت علامتها القديمة وقد صار إلى جانبها سهم صغير أضافته أثناء النقاش.
أجابت ميس بعد الظهر: «أرسلِي النص. سأجرب لقاء آخر». ثم أضافت أنها لا تريد تخصيص وقت لمناقشة ما حدث أمام الجميع. جاء الرد بأن ذلك مفهوم، وأنهم سيبدؤون بالسؤال الذي يختاره كل قارئ عن النص. لم يكن هذا وعدًا بأمسية خالية من التعثر، لكنه حدد شيئًا تستطيع رُبى تخيله. حفظت الملف، وقرأته في المساء على الطاولة نفسها التي اعتادت أن تضع عليها كتابها وكوبها.
اختارت سؤالًا عن شخص يتكلم كثيرًا في القصة الجديدة، بينما لا نعرف اسمه حتى قرب النهاية. كتبت احتمالين، وشطبت ثالثًا بدا لها بعيدًا. لم تجهز عبارة للدفاع عن حقها في الصمت، مع أنها خافت أن تحتاج إليها. وضعت الورقة داخل الكتاب وقررت ألا تصل مبكرة جدًا. أرادت أن تدخل بوصفها قارئة تحمل سؤالًا، لا ضيفة ينتظر الجميع معرفة ما إذا كانت قد سامحتهم.
اختلاف يمكن البقاء معه
في الخميس التالي كان الكرسي السادس خاليًا من الحقائب. رحبت ميس برُبى، ثم أكملت ترتيب الأوراق دون أن تعلن وصولها للمجموعة. اقترب حازم قبل البداية وقال: «كان سؤالي عنك في غير مكانه. آسف». أجابته بأنها تقدر اعتذاره. بدا كأنه سيضيف تفسيرًا، ثم توقف وسألها عن الصفحة التي طبعتها. ناولته ورقة زائدة، وانشغلا معًا بوضع الصفحات في ترتيبها الصحيح.
بدأ يوسف بسؤال عن اسم الشخصية المتأخر، فضحكت رُبى لأن هذا كان سؤالها أيضًا. قالت إنها تساءلت إن كانت قد فوتت الاسم في القراءة الأولى، فأخرجت سحر نسختها وأرتها دائرة وضعتها عند ظهوره. لم تصبح المجموعة فجأة غريبة عن عاداتها؛ حكت دانية موقفًا من يومها جعلها تفهم أحد المشاهد. أصغت رُبى، ثم عادت إلى الجملة التي تحتها خط. لم يطلب أحد منها ذكر موقف مماثل.
اختلفت مع حازم مرة أخرى. رأى أن تأخير الاسم يجعل الشخصية بعيدة، بينما أحست هي أنها اقتربت منها قبل أن تعرفه. سألها هذه المرة عن العبارة التي أعطتها ذلك الشعور. فتحت الصفحة، وقرأت مقطعًا قصيرًا، فأشار إلى جملة تناقض تفسيرها في رأيه. ظلا مختلفين، ولم تنته المناقشة بانتصار واضح. لكن رُبى لم تشعر أنها مطالبة بتقديم جزء من حياتها كي يصبح رأيها قابلًا للفهم.
عند الاستراحة، سألها يوسف إن كانت تريد شايًا، فقالت نعم، قليل السكر. لم يكن هذا كشفًا كبيرًا ولا اختبارًا للثقة. عاد بالكوب، وجلس يتحدث عن طبعة يجد خطها صغيرًا. أخبرته رُبى أنها تستعمل ورقة بيضاء لتتبع السطر عندما تتعب عيناها، ثم سألته عن الورق الذي طبع عليه. وجدت نفسها تتحدث بسهولة عن أشياء تخصها، لأنها اختارتها، ولأن أحدًا لم يجعلها مفتاح الدخول إلى الحديث.
السؤال على الورقة
بعد أسبوعين، طلبت ميس من كل حاضر اقتراح نص للقاء لاحق. اختارت رُبى قصة كانت قد قرأتها وحدها، وكتبت إلى جانب العنوان سؤالًا عن راويها. همّت بإضافة سبب شخصي لاختيارها، ثم اكتفت بجملة عن طريقة السرد. لم تكن تمنع نفسها من الحكي إلى الأبد؛ كانت فقط تختار ما يحتاج إليه هذا الاقتراح. حين قرأت ميس الورقة، سألت عن طول النص وموعد إرسال نسخه، ولم تطلب سببًا آخر.
عادت الحكايات الجانبية إلى الطاولة كما كانت، وعاد الضحك على المعطف الأحمر. هذه المرة فهمت رُبى الإشارة من غير شرح. في إحدى الأمسيات تحدثت عن نبات صغير في شرفتها، ثم توقفت عندما بدأ النقاش. لم يلتقط أحد حديث النبات ليعيده إلى جملة في القصة. بقي تفصيلًا عابرًا، مثل لون القلم أو طلب الشاي، وشعرت بالامتنان لأنه لم يتحول إلى دليل على شخصيتها.
في نهاية ذلك اللقاء، رفعت سحر حقيبتها عن الأرض لتضعها على الكرسي السادس بينما تساعد ميس في جمع الأكواب. كانت رُبى واقفة عند الرف تبحث عن غلاف الكتاب التالي. التفتت سحر، ثم وضعت الحقيبة على كتفها بدل الكرسي. لم تقل شيئًا، ولم تلاحظ رُبى الحركة إلا بعد لحظة. عادت إلى مقعدها لتكتب العنوان، وبقيت الورقة تحت يدها بينما يتحدث الآخرون عن الأسبوع المقبل.
كتبَت سؤالها الأول، ثم رفعت رأسها لتسأل حازم إن كان قد فهم نهاية النص السابق بطريقة مختلفة بعد اللقاء. قال إنه ما زال متمسكًا برأيه، وضحكت لأنها كذلك. لم تحتج إلى اتفاق جديد كي تبقى جالسة. حين أغلقت دفترها، أدخلت الورقة بين صفحتيه وتركت سؤالًا ثانيًا إلى الخميس. خرجت وفي حقيبتها كتاب، وعلى الطاولة مكان تعرف أنها تستطيع أن تعود إليه بما تختار قوله.
