«خياط المسافات» قصة عربية أصلية عن عاصم، ساعي الكتب الذي وجد وسيلة للوصول في خطوة واحدة، ولم يسأل طويلًا عما يصير إليه الطريق المتروك. الشخصيات والأحداث والمكان متخيلة، وكذلك قوانين الجيب السحري؛ والحكاية ليست شرحًا لطريقة سفر أو خياطة ممكنة في الواقع.
الخلاصة السريعة
تكشف هذه الخلاصة أحداث القصة ونهايتها: يؤجل عاصم ثلاث رحلات بجيب سحري، فتثقل المسافات المطوية كتفيه. يعيد مشيها، ويقبل تأخير بعض عمله، ثم يحتفظ بالجيب لاستعمال محدود يعرف متى سيستكمله.
- يدخل عاصم دكان نديم لإصلاح جيبه، فيعرض عليه الخياط جيبًا يطوي طريقًا معروفًا.
- يعرف أن كل طريق مؤجل يجب أن يُمشى لاحقًا من بدايته إلى نهايته، وأن وزنه يتراكم.
- يستخدم الجيب في ثلاث رحلات عمل، ويصل إلى البيت مبكرًا بمعطف ثقيل.
- يكتشف أن خلع المعطف لا يزيل الحمل، ويبدأ إعادة مشي أول طريق مع هالة.
- يمنع إغلاق الجسر استكمال الرحلة الثالثة؛ ولا يعالجها اختصار جديد.
- يؤجل مواعيد صباحية، ويعبر الطريق المتبقي عندما يفتح الجسر، فيخف كتفاه.
- يضيف زرًا للجيب، ثم يستخدمه مرة أخرى لحاجة محددة ويخصص وقتًا لمشي طريقها.
جيب لا يحتفظ حتى بالمفتاح
كان عاصم يعرف مدينته من أسفل: الحجارة التي تميل تحت القدم، والدرجة الناقصة أمام المطبعة، والبركة التي تظهر عند باب المدرسة كلما غسل الحارس المدخل. يحمل الكتب بين الدكاكين والبيوت، ويعود مساءً وفي حذائه غبار أماكن لم يرفع رأسه لينظر إليها. في ذلك الخميس سقط مفتاحه من ثقب في جيب المعطف، فتدحرج حتى استقر تحت عتبة دكان نديم الخياط.
انحنى عاصم يستخرجه، فسمع من الداخل صوت مقص، ثم صوت الرجل يقول: «إذا دخل المفتاح وحده فلن أعرف صاحبه». دفع الباب بكتفه، وعرض الجيب الممزق دون أن يخلع المعطف. كان يريد إصلاحًا سريعًا؛ تنتظره رزمة كتب في المطبعة، ودفاتر في المدرسة، وصندوق أغلفة عند المجلد. أمسك نديم طرف القماش وقلبه بين إصبعين، كأنه يتفحص خريطة صغيرة لا ثقبًا عاديًا.
قال الخياط: «أخيطه كما كان، أم أجعله يتسع لما يزعجك؟». أجاب عاصم بأن ما يزعجه لا يدخل جيبًا: الطريق بين كل مكان ومكان. ابتسم نديم، وسحب من درج منخفض قطعة بطانة رمادية. كانت تتحرك فوق الطاولة ببطء، على الرغم من سكون الهواء. مد عاصم إصبعه نحوها، فسمع قرع حذاء بعيد، ثم رأى خطًا أبيض يلتوي في النسيج مثل زقاق مضاء.
خلع معطفه أخيرًا. وعلى ظهر الكرسي لاحظ قطعة أخرى معلقة، لها جيب مغلق بزر عريض. سأل إن كان صاحبها قد نسيها، فقال نديم إنها معطفه هو. «ولماذا تغلق الجيب؟». رفع الرجل نظره عن الإبرة وقال: «كي أفتحه حين أحتاجه، لا كلما لمست يدي القماش». لم يفهم عاصم سبب هذه الدقة، لكنه جلس على الكرسي ينتظر ما سيصنعه الخيط.
ما الذي يحدث للطريق؟
حين انتهى نديم، أعاد المعطف إلى صاحبه وطلب منه أن يتخيل باب المطبعة. كان عاصم قد جاء من هناك، ويعرف الطريق حجرًا حجرًا. وضع كفه في الجيب، فإذا البطانة تبرد حول أصابعه، وظهرت في قاعها عتبة المطبعة أصغر من ظفره. قال الخياط: «أخرج يدك وخذ خطوة، تصل إلى الباب. لكن اسمع الباقي قبل أن تتحرك». توقف عاصم ورفع قدمه عن الأرض ثم أعادها.
شرح نديم أن الجيب لا يعرف مكانًا لم يمشِ إليه صاحبه، ولا يحمل معه شخصًا آخر. وهو يطوي الرحلة بين موضعه الحالي والباب الذي يتذكره، ثم يحتفظ بها في بطانته. ولكي تنفرج الطية، يجب أن يمشي صاحبها الطريق نفسه لاحقًا، من بدايته إلى نهايته، والجيب مفتوح. لا يكفي أن يبلغ النهاية من جهة أخرى، ولا أن يبعث شخصًا يمشي بدلًا منه.
سأل عاصم عن الثمن. أشار نديم إلى كتفيه: «لكل رحلة وزن حتى تمشيها. تستطيع خلع المعطف، لكن كتفيك لا يخلعان ما أجلته». ثم أصلح الثقب الصغير إلى جانب البطانة، وأخذ أجر خياطة عاديًا. قال عاصم إنه يستطيع المشي ليلًا، وإن المهم أن يصل إلى عمله في الموعد. هز الخياط رأسه، ووضع المقص بعيدًا عن حافة الطاولة دون أن يوافق أو يعترض.
استعمل عاصم الجيب مرة من الدكان إلى المطبعة، فوجد نفسه أمام الباب الذي تخيله، ورائحة الحبر تسد أنفه. ثم عاد إلى الدكان مشيًا، وبعدها مشى من الدكان إلى المطبعة بالجيب مفتوحًا، كما أوصاه نديم. سمع عند العتبة فرقعة خفيفة، وخف ثقل صغير لم يكن قد انتبه إليه. ضحك وحده؛ لقد جرب الأمر وعرف كيف ينهيه، وبدا له أن بقية اليوم أصبحت سهلة.
ثلاث طرق قبل الغداء
خرج من المطبعة حاملًا الكتب، فوجد عربة مقلوبة تسد ممر السوق. كان موعد تسليمها قريبًا، والالتفاف من جهة السور سيأخذ وقتًا. تذكر باب المدرسة، وفتح جيبه، ثم عبر خطوة قصيرة. ظهر الحارس أمامه وهو يرفع خرطوم الماء. تسلم الكتب وقال إن المعلمة كانت تسأل عنها. شعر عاصم بشيء يستقر على كتفه، لكنه نسبه إلى الرزمة التي رفعها قبل قليل ولم يعد يحملها.
ومن المدرسة إلى المجلد استعمل الجيب ثانية. كانت الدفاتر تحت ذراعه، ووصل بها قبل أن يغلق صاحب الورشة ليشتري غداءه. عرض الرجل عليه شايًا، فرفض، ثم وافق وهو ينظر إلى الساعة. للمرة الأولى منذ أيام لم يكن متأخرًا. جلس يسمع حكاية غلاف أخطأ صاحبه في اختيار لونه، وضحك حتى برد الشاي، ثم حمل صندوق الأغلفة المخصص للمخزن وراء الجسر.
كانت الرحلة الثالثة أطول، لكنه يعرفها جيدًا. تخيل الباب الأخضر للمخزن، وأدخل كفه في البطانة، فانتقل إليه والصندوق ثابت بين ذراعيه. هذه المرة هبط كتفاه دفعة واحدة. وضع الصندوق بسرعة على الأرض، وظن أن أحد مسماريه علق بالمعطف. لم يجد شيئًا. وحين نظر إلى الجيب رأى ثلاثة خطوط تتوهج في قاعه: ممر السوق، ومنحدر المدرسة، والجسر بألواحه الداكنة.
عاد إلى البيت بالطريق المعتاد، ولم تنطفئ الخطوط؛ لم تكن رحلة العودة واحدة من الطرق الثلاث المطوية. فتحت هالة، أخته، الباب واستغربت وصوله قبل أن تنتهي من إعداد الطعام. حاول أن يرفع ذراعيه كمن يعلن نصرًا، فلم يرفعهما إلا قليلًا. قالت: «هل أحضرت الكتب كلها في بطانة المعطف؟». أجاب ضاحكًا: «شيئًا يشبه ذلك». ثم مال على الكرسي كأنه ينزل عن ظهره كيس حجارة.
الكتف الذي بقي ثقيلًا
خلع المعطف وعلقه خلف الباب. بقي الثقل في مكانه، ضغطًا هادئًا لا يشبه ألمًا يعرفه. حاول أن يتناول صحنه، فرفعته هالة ووضعته قريبًا منه دون تعليق. وحين حكى لها ما جرى، لم تسأله أولًا إن كان يصدق الخياط؛ طلبت أن ترى الجيب. قربته من المصباح، فظهرت الطرق الثلاث متجاورة، وعلى أصغرها عربة مقلوبة بحجم حبة عدس، بينما كان الخط الثالث يمتد أبعد من حافة الضوء.
قالت هالة إن العربة أزيلت من السوق بعد الظهر؛ فقد مرت هناك في طريقها إلى البيت. أدخل عاصم إصبعه في الجيب، فتحركت العربة الصغيرة بعيدًا عن الممر. كان الطريق المحفوظ يتبع ما يحدث في الخارج، لا يبقى صورة جامدة لساعة طيه. استعاد كلام نديم عن المشي لاحقًا، وقال إنه سيخرج بعد الطعام مباشرة. نظرت أخته إلى السماء التي بدأت تغلق لونها خلف النافذة.
لبس المعطف، فاحتاج إلى مساعدتها لإدخال الذراع الثانية. عرضت أن تحمله عنه، لكنه تذكر الشرط وهز رأسه. فقالت: «إذن أحمل المصباح». سار الاثنان إلى المطبعة، وهي بداية الرحلة الأولى، ثم عبرا ممر السوق نحو المدرسة. كانت العربة قد رحلت فعلًا، وبقي مكانها مربع جاف بين الحجارة الرطبة. وعند باب المدرسة انفكت غرزة بيضاء في البطانة، وارتفع كتف عاصم قليلًا كأنه تذكر موضعه الطبيعي.
من هناك مشيا إلى ورشة المجلد، وهي الرحلة الثانية. لم يكن بابها مفتوحًا، لكن عاصم لم يحتج إلى الدخول؛ كانت النهاية هي العتبة التي وصل إليها نهارًا. خف الجيب مرة أخرى. جلس على الدرجة وأخذ المصباح من هالة ليريها الخطين المنطفئين. بقي الجسر وحده واضحًا، تتلألأ فوقه قطرات صغيرة. وفي الخارج سقطت أول قطرة كبيرة على زجاج المصباح، ثم لحقتها قطرات متتابعة.
جسر لا يعبره الاستعجال
وصل الاثنان إلى رأس الجسر، فوجدا حاجزًا وحارسًا يربط حبلًا بين عمودين. قال إنهم أغلقوه حتى الصباح بعد أن ارتخت ألواح عند الطرف الآخر، وإن العبور سيتأخر إلى أن ينتهي العمل. أطل عاصم عبر الحاجز فرأى مصابيح العمال تتحرك خلف المطر. كان يعرف الممر البديل حول النهر، لكنه لن يعيد الرحلة المطوية نفسها. شعر بثقل الطريق الباقي كأنه صار اسمًا مكتوبًا على عظامه.
تحسست يده الجيب تلقائيًا. يستطيع الوصول إلى المخزن في خطوة، وربما يجد من هناك طريقة أخرى. أمسكت هالة رسغه دون أن تشده وقالت: «ستضيف رحلة جديدة». أخرج كفه ببطء. لم يكن يريد أن يصدقها، لكنه رأى في البطانة خطًا رابعًا يبدأ في اللمعان ثم يخبو عندما ابتعدت أصابعه. ثبت المصباح على الحاجز، وبقي ينظر إلى الباب الأخضر البعيد الذي لا يراه.
مرا بدكان نديم في طريق العودة. كان الخياط يخفض الستارة، فلما رأى مشيتهما رفعها من جديد. سأل عاصم إن كان يمكن قص الجيب أو تبديل البطانة. أجابه الرجل: «تستطيع أن تفسد المعطف، لكن الطريق يبقى عليك». ثم وضع كرسيًا عند الباب. جلس عاصم عليه بصمت، بينما نزعت هالة الماء عن المصباح بقطعة قماش قدمها الخياط. لم يعرض نديم جيبًا آخر، ولم يقل إنه حذره منذ البداية.
قال عاصم إن لديه تسليمين صباحًا، وإن الانتظار سيعيده إلى التأخر الذي حاول الهرب منه. سأله الخياط متى يتوقع فتح الجسر. أجاب بأنه لا يعرف إلا وعد الحارس بمراجعة العمل صباحًا. أخرج نديم هاتف الدكان ووضعه أمامه. ظل عاصم ينظر إليه لحظة، ثم اتصل بصاحبي الطلبين. لم يخبرهما عن جيب مضاء؛ قال إن موعده يحتاج إلى تغيير، واتفق معهما على التسليم بعد الظهر.
طريق كامل في ضوء الصباح
نام عاصم على وسادتين، ومعطفه على الكرسي المقابل. لم يكن الثقل يمنعه من التنفس، لكنه جعله يتقلب ببطء، كأن الفراش في آخر منحدر. استيقظ قبل أن تطرق هالة الباب. وجدها قد وضعت إبريق الشاي على الموقد، والمصباح مطفأ قرب النافذة. قالت إنها سترافقه حتى الجسر قبل أن تذهب إلى عملها. أجاب بأنه يستطيع وحده، فردت: «أعرف. لم أقل إنني سأمشي بدلًا منك».
بدأ من عتبة المجلد مرة أخرى، فهذه بداية الرحلة الثالثة التي لم تتم. كان الطريق مختلفًا في ضوء الصباح، لكنه الطريق نفسه: دكان التوابل، ثم الحائط المائل، ثم النزول إلى النهر. عند الحاجز وجد الحارس ما يزال ينتظر إشارة العمال. جلس عاصم وهالة على مقعد حجري. لم يمد يده نحو البطانة، ولم يسأل كل دقيقة عن الموعد. شربا ما بقي من الشاي في القارورة الصغيرة.
حين رُفع الحبل، عبرا بين مواضع الإصلاح التي أشار إليها الحارس. لم يجر عاصم، على الرغم من رغبته في الوصول إلى النهاية دفعة واحدة. كانت هالة تتحدث عن نافذة في مكتبها لا تغلق جيدًا، وعن زميلة تضع كوبًا تحتها كلما أمطرت. لأول مرة منذ مساء الأمس انشغل بشيء خارج كتفيه. وسألها لماذا لا ينقلون الطاولة، فبدأت تشرح ترتيب المكتب بيديها وهما يمشيان.
عند الباب الأخضر للمخزن صدر من الجيب صوت خيط يُسحب من قماش. توقف عاصم، ثم رفع ذراعه كاملة. لم يجد إلا ثقل المعطف العادي. أمال البطانة نحو الضوء؛ لا جسر ولا مصابيح ولا طرق صغيرة، بل نسيج رمادي تحرك قليلًا تحت إصبعه. أراد أن يقول جملة كبيرة، لكنه رأى هالة تنظر إلى ساعتها. أشار إلى الممر المؤدي إلى عملها وقال: «أكملي حديث النافذة، سأمشي معك إلى الزاوية».
زر عريض على جيب صغير
في المساء عاد إلى نديم، ووضع المعطف على الطاولة. ظن الخياط أنه يريد نزع البطانة، فأحضر قماشًا عاديًا. لكن عاصم أشار إلى زر معطف الرجل المعلق خلفه. اختارا زرًا عريضًا داكنًا، وخاطه نديم فوق الجيب. كان فتحه يحتاج إلى حركة مقصودة باليدين، فلا تدخل الكف إلى الداخل كلما بحث صاحبها عن المفتاح. ونقل الخياط المفتاح إلى جيب آخر، وثبت بطانته بخيط لا يصدر أصواتًا.
مر أسبوع، استعمل فيه عاصم طرق المدينة كما كان يفعل، مع موعد أقل في أحد الصباحات، وتسليم جمعه مع آخر قريب منه. لم تصبح أيامه خالية من التعب، ولم يبدأ الوصول مبكرًا إلى كل مكان. مرة تأخر عند بائع ورق، ومرة جلس أطول مما توقع مع المجلد. لكن كتفيه لم يعودا يحملان شوارع الليل، وبقي الزر في مكانه حتى اليوم الذي اتصلت فيه المدرسة.
كان كتاب العرض قد تُرك في المطبعة، والأطفال ينتظرون بدء القراءة. عرف عاصم الطريق، وعرف كذلك أن موعده التالي يسمح له بالعودة إلى المطبعة ومشيه بعد ذلك. فك الزر، وحمل الكتاب، ووصل في خطوته الصغيرة إلى الحارس. وحين عاد إلى نقطة البداية لم يبحث عن حيلة ثانية؛ فتح الجيب ومشى. رأى العربة نفسها واقفة هذه المرة عند طرف السوق، وصاحبها يثبت عجلة جديدة ويصفر.
عند عتبة المدرسة خف كتفه، فأغلق الجيب بزرّه. مد يده إلى الجيب الآخر وأخرج المفتاح، ثم أعاده إلى مكانه وهو يبتسم. اتصلت به هالة لتخبره أنها انتهت من إصلاح نافذة مكتبها مع زميلتها، ووعدته أن تحكي كيف سقط الكوب في الدرج بدل أن يستقر تحت الماء. اشترى خبزًا في طريق العودة. وصل قبل أن يبرد، وعلق المعطف قرب الباب، فبقي القماش ساكنًا هذه المرة.
