هذه قصيدة نثر مؤلفة في رثاء معلم متخيّل، يرويها تلميذ يعود إلى صفه القديم بعد رحيل أستاذه. تستعيد مواقف صغيرة في السؤال والتصحيح والإنصاف، ولا تصف وفاة حقيقية أو تنقل تجربة شخصية. النص غير منسوب إلى شاعر، ولا يلتزم وزنًا خليليًا أو قافية موحّدة.
الخلاصة السريعة
تدور القصيدة حول تلميذ يحاول حفظ أثر معلمه في طريقة التعامل مع الآخرين؛ وتتضمن النقاط التالية مسار النص ونهايته.
- يعود الراوي إلى الصف، فيجد المكان مألوفًا، بينما يظل غياب المعلم أكبر من الأشياء التي بقيت.
- يستعيد دفترًا صحح فيه المعلم خطأه دون أن يحوّل الخطأ إلى حكم على قدرته.
- يتذكر سؤالًا تأخر في قوله، وكيف منح المعلم السؤال مكانًا بين الإجابات المستعجلة.
- يحفظ من إنصاف أستاذه أنه اعترف بخطئه أمام تلميذ، دون أن يطلب إخفاء الموقف.
- يواجه كلمات رثاء لا تستعيد الصوت، فيختار ذكرى محددة بدل وصف المعلم بالكمال.
- ينتقل الأثر إلى لقاء مع طفل يراجع مسألة، حين يترك له الراوي وقتًا لشرح محاولته.
- يغادر الصف دون أخذ شيء منه؛ ويحمل معه وعدًا صغيرًا بممارسة ما تعلّمه، مع بقاء الحزن.
الباب الذي لم يعد موعدًا
عدت إلى المدرسة في ساعة لا تشبه ساعاتنا القديمة. لم تكن حقيبتي تقفز على ظهري، ولم أكن أحسب المسافة بين البوابة والجرس. مشيت ببطء رجل يعرف الطريق ويخشى نهايته. عند الباب وضعت كفي على الخشب، فتذكرت كم مرة دفعته بكتفي، منشغلًا بما سأقوله إذا سألتم عن التأخر. اليوم وصلت قبل الموعد الذي لم يعطه لي أحد، ووقفت طويلًا، كأن في التأخر هذه المرة فرصة لأن تكونوا ما زلتم في الداخل.
كان الصف أصغر مما حملته الذاكرة. النافذة قريبة، والسبورة قريبة، والممر بين المقاعد لا يتسع لكل ما عبره في رأسي. رأيت كرسيًا عند المكتب، ودفترًا مغلقًا لا أعرف صاحبه. الأشياء تؤدي هدوءها المعتاد، وأنا أطلب منها عملًا آخر: أن ترتب غيابكم بحيث أفهمه. لكنها بقيت أشياء. لم يتحرك الكرسي، ولم يفتح الدفتر نفسه على اسم، ولم يقل ضوء النافذة إنني أخطأت الغرفة.
وقفت في موضع مقعدي، فإذا المسافة التي كانت تفصلني عنكم قصيرة إلى هذا الحد. كيف احتاج صوتي أعوامًا ليقطعها؟ كنت أرفع يدي قليلًا ثم أخفضها، وأعود إلى البيت حاملًا سؤالًا كان يمكن أن ينتهي هنا. الآن أمد يدي كلها، لا لأجيب عن شيء، بل لأعرف أين أضعها حين لا ينتظرها أحد. أبقيتها على حافة المقعد حتى هدأت، ثم جلست.
الهامش الذي اتسع للمحاولة
في بيتي دفتر قديم، أوراقه أميل إلى الاصفرار من جدران هذا الصف. لم أحتفظ به لأن علاماته عالية؛ في بعض صفحاته أخطاء كثيرة، وفي آخره رسم صغير حاولت أن أخفيه عنكم. احتفظت به من أجل هامش ضيق كتبتم فيه أن أراجع الخطوة الثانية. لم تملؤوا الورقة بالحكم، ولم تجعلوا اسمي مرادفًا للجواب الناقص. أشرتم إلى موضع يمكن أن أبدأ منه مرة أخرى، ثم تركتم لي بقية الصفحة.
أتذكر أنني فتحت الدفتر تحت الطاولة قبل أن أصل إلى البيت. كنت أتهيأ لجملة ثقيلة، فوجدت عملًا صغيرًا ينتظرني. راجعت الخطوة، وعدت إلى السؤال، وشطبت ما كتبته بخط مائل. لم أصبح في تلك الليلة تلميذًا مختلفًا، ولم تختف أخطائي بعد ذلك. لكن الصفحة لم تعد بابًا مغلقًا. كان فيها مكان ليد تتردد، ولمحاولة ثانية لا تحتاج إلى إخفاء المحاولة الأولى تحت ورقة جديدة بيضاء.
أمس أخرجت ذلك الدفتر من صندوق الكتب. رأيت خطي القديم فلم أتعرف إليه سريعًا؛ أحرف صغيرة تتدافع كأنها تريد إنهاء واجبها قبل أن يراها أحد. أما الجملة في الهامش فبقيت واضحة. قرأتها بصوت منخفض، ثم صمت. لم يكن في قدرتها أن تعيدكم، ولا طلبت منها ذلك. أردت فقط أن أبقى قليلًا إلى جوار الدليل الذي تركتموه: هنا، في هذه الصفحة، كان أحدهم ينتظر مني أن أحاول.
سؤال بعد أن أُغلقت الدفاتر
انتهت حصة ذات يوم، وأغلق زملائي دفاترهم على صوت واحد متعجل. كنت قد جهزت سؤالي في رأسي، ثم غيرت بدايته مرات حتى ضاع الوقت. خرج نصف الصف، وبقيت واقفًا كأنني أبحث عن شيء تحت المقعد. سألتموني إن كنت نسيت غرضًا. قلت إنني نسيت أن أفهم. لا أعرف لماذا اخترت هذه العبارة؛ لعلني ظننت أن الفهم شيء كان ينبغي أن أضعه في حقيبتي قبل أن يغادر الجميع.
لم تضحكوا. أعدتم فتح الكتاب، وطلبتم أن أشير إلى الموضع. وحين بدأت أشرح ما التبس عليّ، اكتشفت أنني لا أحتاج إلى إعادة الدرس كله. كانت بين جملتين مسافة صغيرة سقطت منها الفكرة. مددتم إصبعكم إلى الجملة الأولى، ثم رفعتموه، وتركتموني أصل إلى الثانية بنفسي. خارج النافذة كان زملائي ينادونني؛ وفي الداخل كنت أجرب متعة أن أقول فهمت، دون أن أستخدمها وسيلة للخروج من السؤال.
أسمع النداء القديم الآن، ولا أسمع شرحكم كاملًا. ضاعت ألفاظ كثيرة، وبقيت هيئة الإصبع حين ارتفع عن الورقة، كأنه يفسح طريقًا. لا أريد أن أزعم أنني حفظت كل ما قلتم؛ ضيعت بعضه، ونسيت مسائل، وخلطت بين أسماء. لكنني أعرف ذلك التوقف. أعرف الفرق بين يد تشير لتقود، ويد تبقى فوق الجواب حتى لا يراه صاحب السؤال إلا من خلفها. حين أتذكر صفكم، أتذكر المساحة التي خلت بعدما سحبتم يدكم.
حين عدتم إلى جواب صغير
ولكم في ذاكرتي يوم لم تكونوا فيه على صواب. أفضّل أن أحتفظ به كما حدث في حكايتنا، دون أن أصلح صورته من أجلكم. قرأتم جواب زميل لنا بسرعة، ووضعتم علامة تشير إلى نقصه. ظل الصبي يحدق في الورقة، ثم نهض وجاء إلى المكتب. كنا ننتظر اعتراضًا ينتهي عند أول كلمة، أو اعتذارًا يتعثر قبل أن يشرح سبب مجيئه. لكنه وضع إصبعه على السطر، وقال إن المقصود هنا مختلف.
أخذتم الورقة وقرأتم ببطء. لم يتغير شيء عظيم في الغرفة؛ لم تُفتح النوافذ فجأة، ولم تنقطع أصوات الساحة. قلتم إنكم استعجلتم القراءة، وصححتم العلامة أمامه. عاد إلى مقعده يحمل الورقة كما يحملها أي تلميذ، لكنه رفع رأسه حين مر بنا. لم تطلبوا منه أن يجعل الموقف سرًا، ولم تُتبعوا الاعتراف بجملة تعيد الخطأ إليه. بقيت لكم هيبتكم، وبقي له حقه في أن يكون جوابه مفهومًا.
كنت أظن آنذاك أن الكبير يعرف دائمًا، وأن اعترافه بما فاته ينقص من كبره. لم أناقش هذه الفكرة مع أحد؛ رأيتها تتغير على مسافة ثلاثة مقاعد. لهذا، حين أجمع ما أود قوله عنكم، أترك مكانًا لذلك اليوم. لا أريد صورة لا تخطئ، فهي لا تشبه الوجه الذي عرفناه. أريد معلمًا استطاع أن يعود إلى سطر، وإلى حكم، وإلى تلميذ انتظر أن يُقرأ كلامه. تلك العودة جزء من الوفاء لكم.
كلمات لا تعيد صاحبها
حين وصل خبر رحيلكم، كتبت جملة طويلة ثم محوتها. بدت الكلمات أكبر من قدرتي على حملها، كأنني أضع على اسمكم ثيابًا لا أعرف مقاسها. كتبت عن النور، ثم توقفت؛ عن الطريق، ثم توقفت؛ عن الامتنان الذي لم أقله في الوقت المناسب. كنت أفتش عن عبارة تغلق هذا الفراغ، وكل عبارة تعيدني إليه. لم يزعجني عجز اللغة بقدر ما أزعجني أنني تأخرت عن جملة بسيطة كان يمكن أن تسمعوها في حياتكم.
لا أطلب من الندم أن يصير موعظة للآخرين. إنه هنا، يجلس معي على المقعد، وله من الوقت ما لا أستطيع اختصاره. أذكر زيارة أجلتها، واتصالًا قلت إن له يومًا أهدأ، وصورة للدفتر أردت أن أرسلها ثم انشغلت. لن أدعي أنني كنت حاضرًا دائمًا، ولن أستعير لنفسي وفاء لم أفعله. أستطيع أن أقول إنني أفتقدكم، وأن هذا الافتقاد يحمل محبتي وتقصيري معًا، دون أن يمحو أحدهما الآخر.
لهذا أكتب عن الهامش، وعن إصبع ارتفع عن كتاب، وعن ورقة أعدتم قراءتها. هذه التفاصيل لا تختصر حياتكم، ولا أعرف منها ما كان خارج صفنا. لكنها نصيبي الصغير من صحبتكم، وأستطيع أن أحمله دون أن أزيد عليه بطولة مخترعة. قد يذكر تلميذ آخر موقفًا غيره، وقد يكون صوته أهدأ أو أشد حزنًا. أترك له مكانه إلى جواري. ليس عليّ أن أقول كل شيء كي يكون ما أقوله لكم صادقًا داخل هذه القصيدة.
وقت أتركه لسؤال جديد
قبل مجيئي إلى الصف، جلس ابن أخي إلى طاولتي يحمل مسألة لم يكملها. بدأت أقرأ الحل بسرعة، وكنت على وشك أن أقول له أين أخطأ. رفع عينيه وطلب أن يشرح أولًا. في تلك الوقفة القصيرة، وجدت نفسي أزيح يدي عن ورقته. قلت له أن يبدأ من السطر الذي يراه صحيحًا. لم تكن حركة عظيمة، ولم ينظر إليّ بإعجاب؛ عاد إلى أرقامه فحسب، وأخذ يبين ما فعل، بينما حاولت أن أستمع إلى النهاية.
كان شرحه أطول مما توقعت، وفيه التفاف وتكرار. شعرت برغبتي في اختصار الطريق، فتركت القلم على الطاولة بدل أن أمسكه عنه. حين وصل إلى موضع الحيرة، سألته عما تغير بين الخطوتين. نظر مرة أخرى، ثم جرّب جوابًا. لم تخطر في باله هذه الغرفة، ولم يسمع اسمكم يومها. أما أنا فكنت أعرف من أين جاءت رغبتي في ألا يصبح استعجالي حاجزًا بينه وبين الورقة التي يحملها.
لا أقول إنني صرت مثلكم. في أيام أخرى أقاطع، وأضيق، وأحتاج إلى أن أعود وأعتذر. ما تركتموه ليس شهادة أعلقها على خلقي، بل عملًا صغيرًا قد أنجح فيه وقد أتذكره بعد فواته. وربما كان أجمل ما أستطيع أن أهديه لذكراكم أن أرجع حين أنتبه. أقرأ السطر مرة ثانية، وأمنح المتحدث بقية جملته، وأعيد القلم إلى صاحبه. لا يستطيع أحد أن يحمل أثركم كاملًا إلى يومه؛ يكفي أن يحرس جزءًا منه حين يستطيع.
الدرس الذي بقي
حين نهضت من المقعد، خُيّل إليّ أن عليّ أخذ شيء: ورقة مهملة، قطعة طباشير، صورة للكرسي من زاوية تشبه موضعكم. ثم تركت المكان كما وجدته. الدفتر على المكتب ليس لي، والكرسي سيجلس عليه معلم آخر، وهذه النافذة لا ينبغي أن تبقى نافذة حزن إلى الأبد. سيأتي تلاميذ لا يعرفون أسماءنا، ويختلفون على المقاعد، ويسألون أسئلة لم نسألها. لا أريد أن أجعل ذكراكم قفلًا على الغرفة التي أحببتم أن يدخلها الناس.
سرت إلى الباب دون أن ألتفت في كل خطوة. كان الحزن ما زال معي، أخف من أن يمنع المشي، وأثقل من أن أنساه عند العتبة. لم أصل إلى نهاية مرتبة، ولم يغلق النص ما عجزت الزيارة عن إغلاقه. فقط عرفت ما سأفعله بالدفتر حين أعود: أضعه قريبًا من الكتب التي أفتحها، لا في أسفل الصندوق. أريد للهامش الذي كتبتموه أن يبقى في متناول يدي، بين أعمال اليوم، حيث يمكن أن أحتاج إليه.
يا معلمي، خرجت من صفكم مرات كثيرة أحمل واجبًا له موعد. اليوم خرجت بعمل لا أعرف متى أنتهي منه: أن أرى صاحب السؤال قبل أن أستعجل الجواب، وأن أراجع حكمي إذا فاتني سطر، وأن أقول الشكر حين يجد من يسمعه. لن أرفع هذه الكلمات وعدًا بأنني لن أخطئ. سأجعلها ورقة أعود إليها. وعندما أقصّر، أترك في آخرها هامشًا، وأكتب بخطي الذي كبر قليلًا: ما زال هنا مكان لمحاولة أخرى.
عن النص
نص أدبي أصلي مؤلف لبحر العلوم، بشخصيات ومواقف وحوار متخيل. الصورة توضيحية مولّدة بالذكاء الاصطناعي.
