ثقافة ولغة

قصة صاحب الجنتين في سورة الكهف: النعمة والغرور ونصيحة الصاحب

تصور لبساتين أعناب تحفها نخيل وبينها زرع ومجرى ماء في ضوء الصباح
تصور توضيحي مولد؛ لا يمثل موقعًا معروفًا للجنتين أو إعادة بناء تاريخية موثقة.

تعرض قصة صاحب الجنتين في سورة الكهف رجلًا اغتر بماله وبستانيه، فذكره صاحبه بالله وبأن النعمة قد تزول. وتنتهي القصة بهلاك ثمره وندمه، موضحة الفرق بين الافتخار بالمال وشكر من أنعم به.[1]

الخلاصة السريعة

ترد القصة في الآيات 32–44، وتسير من وفرة النعمة إلى الحوار ثم انكشاف الغرور:

  • الجنتان بستانان من أعناب تحفهما النخيل، وبينهما زرع وماء، وقد أعطيا ثمرهما دون نقص في الوصف القرآني.[1]
  • افتخر الرجل بكثرة المال والأنصار، وظن أن جنته لا تزول، وشكك في قيام الساعة واغتر بما يتوقعه لنفسه.[1]
  • ذكره صاحبه بخلقه وبربه، ودعاه إلى نسبة النعمة إلى الله بقوله: «ما شاء الله لا قوة إلا بالله»؛ ليست الموعظة ضمانًا لبقاء مال كل من نطق العبارة.[1]
  • أحيط بالثمر، فظهر الندم، ولم تنقذه الفئة التي كان يعتز بها؛ تختم الآيات بإظهار أن الولاية لله الحق.[1]
  • لا تذكر الآيات اسمي الرجلين أو موضع البستانين. يركز تفسير السعدي على الاعتبار بالقصة بدل التكلف في تعيينهما.[2]

بستانان اجتمعت لهما أسباب الخصب

تبدأ الآيات بمثل رجلين، أُعطي أحدهما جنتين من أعناب، أحاطت بهما النخيل وجُعل بينهما زرع. وتضيف أن كلتيهما أعطت ثمرها دون أن تنقص منه شيئًا، وأن نهرًا جرى خلالهما. بهذا الوصف نرى وفرة النعمة قبل سماع موقف صاحبها، فلا تبدأ الحكاية بأرض خالية أو محصول فاشل.[1]

والمقصود بالجنتين هنا البستانان، لا الجنة التي يرجوها المؤمن في الآخرة. يفيد هذا التفريق في فهم الكلام اللاحق عن دخول الرجل جنته واغتراره بها؛ إنه يدخل ما يملكه في الدنيا، ثم يتحدث عن بقائه وعن المصير الذي يظنه لنفسه. أما الرسم المصاحب فتصور توضيحي للنبات والماء، ولا يحدد مكانًا تاريخيًا.[2]

حين صار المال أساسًا للمفاضلة

يقول صاحب الجنتين لصاحبه وهو يحاوره: «أنا أكثر منك مالًا وأعز نفرًا». انتقل حديثه من وصف ما لديه إلى التعالي به على الآخر. ثم دخل جنته وهو ظالم لنفسه، وقال إنه لا يظن أن تبيد أبدًا. فالخلل الذي تعرضه الآيات ليس مجرد وجود بستان مثمر، بل موقف صاحبه من النعمة ومن ربه ومن صاحبه.[1]

وتتصل بذلك عبارته عن الساعة؛ فهو لا يظنها قائمة، ولو رُد إلى ربه توقع أن يجد خيرًا من جنته. يجمع كلامه بين الغفلة عن إمكان زوال ما يراه وبين ادعاء مصير أفضل لنفسه. نقل النص هذا القول ليتبين موضع الغرور في حجته، لا ليقر بأن كثرة المال دليل على منزلة الإنسان عند الله.[1]

كيف أجابه صاحبه المؤمن؟

لم يرد الصاحب بمنافسة على عدد الأشجار أو الأنصار، بل ذكره بمن خلقه من تراب ثم من نطفة ثم سواه رجلًا. وأعلن إيمانه بربه وأنه لا يشرك به أحدًا. كان الرد متصلًا بأصل الفكرة التي غابت عن الرجل: الإنسان وما يملكه ليسا مستقلين عن خالقهما.[1]

ثم وجه نظره إلى ما كان ينبغي أن يقوله عند دخول جنته: «ما شاء الله لا قوة إلا بالله». وفي سياق الحوار يقابل هذا الإقرار قول صاحب الجنتين إن ملكه لا يبيد. فإسناد النعمة إلى الله يختلف عن اعتبارها قوة ذاتية لا يطالها تغير، ولو كانت صورة الحديقة الآن باعثة على الإعجاب.[1]

التحذير من زوال ما ظنه ثابتًا

ذكر المؤمن قلة ماله وولده مقارنة بصاحبه، ورجاءه أن يؤتيه ربه خيرًا من جنته، وأن يصيب الجنة ما يحولها إلى أرض لا نفع فيها، أو يغور ماؤها فلا يستطيع الوصول إليه. هذا تحذير يرد على الثقة المطلقة التي قال بها صاحبها؛ ما تتعلق به حياته يمكن أن يخرج عن قدرته.[1]

ويشرح السعدي أن «غورًا» يعني غياب الماء في الأرض بحيث لا يمكن الوصول إليه، ويبين أن التحذير متصل بالاغترار الذي جر صاحبه إلى الطغيان. لا تتطلب قراءة هذا الموضع إضافة اسم مرض زراعي أو مقدار مطر أو مدة لجفاف النهر؛ فهذه تفاصيل لم يعينها النص الذي نقرأه.[3]

من الافتخار إلى تقليب الكفين

بعد الحوار يذكر القرآن أن الثمر أحيط به، فأصبح الرجل يقلب كفيه على ما أنفق، والجنة خاوية على عروشها. ويقول نادمًا إنه يتمنى لو لم يشرك بربه أحدًا. يجمع المشهد بين خسارة ما بذل فيه ماله وبين انكشاف خطئه في الاعتقاد، فيعود القارئ إلى عباراته الأولى عن دوام الجنة وعزة النفر.[1]

ثم تنفي الآيات أن تكون له فئة تنصره من دون الله أو أن يكون منتصرًا بنفسه. تظهر هنا نهاية ما افتخر به في بداية الحديث: كثرة المحيطين به لم تدفع ما وقع. وتأتي خاتمة المقطع: الولاية لله الحق، وهو خير ثوابًا وخير عاقبة. لا تضيف الآيات وصفًا لثروة جديدة كسبها الرجل بعد ذلك.[1]

ما الذي نأخذه من القصة دون زيادة عليها؟

يمكن أن نقرأ في تسلسلها دعوة إلى شكر النعمة، وترك التعالي على الناس بها، وتذكر أن وفرتها لا تجعلها أبدية. كما يبرز دور النصيحة التي تواجه الفكرة المغلوطة بدل الاكتفاء بمجاراة صاحبها في التفاخر. هذه المعاني مرتبطة بالحوار والعاقبة المذكورين، فلا تحتاج قصة فرعية نخترعها عن حياة الرجلين.[1] ولا نطبق حكم صاحب الجنتين على كل من أصابته خسارة؛ نحن نشرح ما أخبرت به الآيات عن هذين الرجلين، ولا نعرف غيب أحوال الناس.

ويشير السعدي عند افتتاح تفسير القصة إلى أن معرفة شخص الرجلين وزمانهما ومكانهما ليست موضع الفائدة المقصودة منها. لذلك نبقي هذه الجوانب غير معينة، ونرجع إلى الآيات حين نريد التمييز بين ما أخبرت به القصة وما أضافته رواية شائعة أو صورة متخيلة.[2]

المصادر ومتابعة القراءة

  1. القرآن الكريم — سورة الكهف، الآيات 32–44 (يفتح في نافذة جديدة)quran.com
  2. تفسير السعدي — سورة الكهف، الآية 32 (يفتح في نافذة جديدة)quran.ksu.edu.sa
  3. تفسير السعدي — سورة الكهف، الآية 41 (يفتح في نافذة جديدة)quran.ksu.edu.sa

أُعدّ هذا المقال بصياغة عربية أصلية بالاستناد إلى المصادر أعلاه، وهو مدخل تمهيدي إلى الموضوع. اقرأ منهجية المحتوى وحدوده.