في غرفة صغيرة لتبادل الكتب، جهزت مريم طردين وأسرعت إلى عمل آخر. لم يبدُ تبديل بطاقتي العنوان خطأ كبيرًا حين اكتشفته، إلى أن رأت من يحمل اللوم بدلًا منها. هذه قصة أصلية، وجميع شخصياتها وأحداثها وعناوين كتبها متخيلة.
الخلاصة السريعة
تكشف الخلاصة أحداث القصة ونهايتها: يصل كتاب إلى صاحبه متأخرًا، وتتعلم مريم أن الاعتراف بداية للإصلاح، وأن إعادة الشيء لا تعيد دائمًا الموعد الذي ضاع.
- تبدل مريم بطاقتي طردين أثناء تجهيز الكتب في غرفة التبادل.
- تصل شكوى، وتترك مريم الشك يتجه إلى يوسف الذي نقل الطردين.
- تكشف صورة محفوظة أن التبديل وقع قبل تسليم الطردين إليه.
- تعترف مريم لسلوى ويوسف وصاحبي الطردين، وتصحح الاتهام أمام من سمعه.
- تستعيد الكتاب الأزرق، لكن أمسية صاحبته تكون قد انتهت.
- تعود إلى العمل بخطوات أبطأ، بينما تحتاج الثقة إلى وقت أطول من إعادة الكتاب.
بطاقتان على حافة الطاولة
كانت مريم تحب الساعة الأخيرة قبل إغلاق غرفة تبادل الكتب. يخف صوت الزوار، وتبقى رائحة الورق والشاي، وتتمكن أخيرًا من ترتيب ما تركه النهار مبعثرًا. في ذلك المساء وضعت أمامها صندوقين متقاربين في الحجم. احتوى الأول، ذو الغطاء المطوي عند الحافة، كتابًا أزرق أودعته هدى قبل أسابيع، واحتوى الثاني كتابًا أحمر عن حدائق صغيرة، ينتظره كريم في الطرف الآخر من الحي. كتبت لكل منهما بطاقة، ثم بحثت عن الشريط اللاصق.
نادتها سلوى من جوار الباب لتساعدها في إنزال كومة كتب عن رف مرتفع. تركت مريم البطاقتين على الطاولة، وحملت الكومة بيديها، وأزاحت بقدمها كرسيًا يعترض الطريق. عندما عادت كان هاتفها يرن، وكان يوسف ينتظر ليأخذ الطردين في جولته الأخيرة. قالت له إنهما جاهزان تقريبًا، ثم ضحكت من كلمة «تقريبًا» التي تكررها كلما أرادت أن تمنح نفسها دقيقة إضافية دون أن تطلبها صراحة.
كانت زاوية بطاقة كريم ممزقة قليلًا؛ علقت بطرف الدفتر حين نزعتها، فقررت استخدامها بدل كتابة بطاقة جديدة. سوتها بإبهامها فوق الصندوق الذي يضم الكتاب الأزرق، وثبتت بطاقة هدى على الصندوق الآخر. لم تفتح الغطاءين ثانية. التقطت صورة للطردين لتتذكر ما أرسلته، لكن سلوى سألتها عن مفتاح الخزانة، فانتقلت إلى البحث عنه قبل أن تنظر إلى الصورة. خرج يوسف حاملًا الصندوقين تحت ذراعه.
قبل إطفاء الأنوار، وجدت مريم ورقة صغيرة كتبت عليها هدى موعد أمسية قراءة في بيتها. كان الكتاب الأزرق يضم نصوصًا قصيرة جمعها والدها، وكانت تريد أن تقرأ منها مع إخوتها في الليلة التالية. وضعت مريم الورقة في درج الملاحظات وهي مطمئنة إلى أن الطرد غادر بالفعل. ثم مسحت فتات الشريط عن الطاولة، ولم تنتبه إلى أن الاطمئنان جاء من انتهاء المهمة، لا من التأكد من صحتها.
الشك الذي وجد شخصًا آخر
في صباح اليوم التالي اتصلت هدى. قالت بصوت مرتبك إن الصندوق يحمل اسمها، لكن الكتاب الذي بداخله أحمر ويتحدث عن النباتات. سألت إن كان كتاب والدها لا يزال على الرف. التفتت مريم إلى مكانه الفارغ، وشعرت بانقباض سريع في بطنها. قالت إنها ستراجع الأمر، ثم سألت سؤالًا لم يكن ضروريًا: هل فتح يوسف الصندوق أمامها؟ أجابت هدى بأنه سلمه مغلقًا، كما تسلم الطرود عادة.
سمعت سلوى آخر الحديث، فسألت عما حدث. رفعت مريم كتفيها وقالت: «ربما خلط يوسف بين الطردين في الطريق». لم تكن لديها قرينة على ذلك، لكنها ارتاحت لحظة حين صار الخطأ في مكان بعيد عن الطاولة التي رتبتها بيديها. قالت سلوى إنهما يجب أن تسألاه قبل أي استنتاج. ومع ذلك بقي اسمه في الهواء، وتكررت العبارة نفسها عندما دخل متطوع آخر وسأل عن سبب المكالمة الطويلة.
وصل يوسف بعد الظهر، ووضع حقيبته عند الباب. استمع إلى سلوى ثم قال إنه سلم كل صندوق إلى العنوان المكتوب عليه، وإنه لم يغير البطاقات. طلب أن يرى الصورة التي التقطتها مريم. بحثت في هاتفها وهي تحدق في وجهه أكثر مما تحدق في الشاشة، ثم قالت إن الصورة ليست واضحة. لم تفتحها بالحجم الكامل. كان في وسعها أن تفعل ذلك بإصبع واحد، لكنها أغلقت الهاتف ووضعته مقلوبًا.
قال يوسف بهدوء إنه يستطيع المرور على العنوانين بعد انتهاء عمله، لكنه لا يستطيع مغادرة التزامه الحالي فورًا. فهمت مريم الجملة كأنها تأخير متعمد، ثم أدركت أنها تبحث عن سبب آخر لغضبها منه. خرج وهو يحمل حقيبته، وبقي الكرسي الذي جلس عليه بعيدًا عن الطاولة. أعادته إلى مكانه بعناية زائدة، كأن ترتيب الأشياء الصغيرة يمكن أن يجعل الحوار الذي انتهى قبل لحظات أكثر احتمالًا.
الزاوية الممزقة في الصورة
حين خلت الغرفة، فتحت مريم الصورة. ظهر الصندوقان على الطاولة، وبينهما القلم الذي تستخدمه، وفي طرف المشهد ظهر الغطاء المطوي عند الحافة. كبّرت بطاقة ذلك الصندوق، فرأت الزاوية الممزقة واسم كريم. لم تكن المشكلة في الطريق. عادت بذاكرتها إلى البطاقة التي سوتها بإبهامها، وإلى الغطاء الذي لم تفتحه، ثم إلى جملتها الواثقة أمام سلوى. كان تفسير ما حدث بسيطًا إلى حد جعل الأعذار أكثر ثقلًا.
كتبت رسالة إلى هدى تقول فيها: «وجدنا سبب الالتباس»، ثم توقفت. بدت كلمة «وجدنا» كأن جماعة كاملة أخطأت وبحثت، مع أنها كانت وحدها أمام الصندوقين. حذفتها وكتبت: «حدث تبديل في العناوين». كانت الجملة صحيحة، لكنها أخفت اليد التي بدلتها. ظلت تنقل الهاتف من كف إلى أخرى، وتعيد صياغة الرسالة، بينما كانت الساعة فوق الرف تمضي دون أن تنتظر عبارتها الأقل إحراجًا.
اتصل كريم قبل أن ترسل شيئًا. أخبرها أنه فتح طردًا لم يفهم سبب وصوله، وأنه وضع الكتاب الأزرق في خزانته كي لا يتسخ. كان خارج البيت، ولن يعود إلا في المساء. شكرته على حفظه، وسألته إن كان يستطيع أن يصل أبكر قليلًا. سكت لحظة ثم قال إنه لا يستطيع تغيير موعده. نظرت مريم إلى ورقة هدى في الدرج، وشعرت بأن الدقائق التي أمضتها في تحسين الرسالة كانت جزءًا من المشكلة أيضًا.
أغلقت المحادثة وفتحت الصورة مرة أخرى، لا بحثًا عن تفصيل جديد، بل لتمنع نفسها من التراجع عما عرفته. لم يكن يوسف بحاجة إلى أن يثبت شيئًا الآن؛ كانت الصورة أمامها، وكانت تعرف خطها. تركت الهاتف مفتوحًا على الطاولة، ثم اتصلت بسلوى وطلبت منها أن تعود لدقائق إن استطاعت. هذه المرة لم تقل إن هناك التباسًا يحتاج إلى حل. قالت: «أنا بدلت البطاقتين، وأريد أن أصحح ما قلته».
اعتذار له أسماء واضحة
عادت سلوى وجلست دون أن تخلع معطفها. دفعت مريم الهاتف نحوها وشرحت ما فعلته، ثم سكتت قبل أن تضيف أنها كانت مشغولة وأن الجميع طلبوا منها أشياء كثيرة. كانت تلك التفاصيل حقيقية، لكنها بدت في هذه اللحظة محاولة لتوزيع الخطأ على من ناداها ومن انتظرها. قالت بدلًا منها إنها لم تراجع البطاقتين، وإنها نسبت الاحتمال إلى يوسف دون أن تفحص الصورة التي كانت تحت يدها.
لم تقل سلوى إن الأمر لا يستحق الانزعاج. سألتها أولًا إن كانت قد اتصلت بيوسف، ثم ذكرتها بالمتطوع الذي سمع الاتهام. فهمت مريم أن الاعتراف في غرفة هادئة لا يكفي لتصحيح جملة خرجت أمام آخرين. اتصلت بهما، وقالت لكل منهما ما حدث بوضوح. لم تطلب من سلوى أن تتولى الحديث، ولم تستخدم عبارة عامة عن سوء تفاهم. كان عليها أن تعيد اسم يوسف إلى المكان الصحيح في الحكاية.
استمع يوسف حتى انتهت، ثم قال: «كنت أحتاج أن تنظري إلى الصورة حين طلبت منك». لم يرفع صوته، ولم يمنحها جوابًا سريعًا يريحها. اعتذرت عن التبديل وعن ترك الشك معلقًا به، وقالت إنها ستتولى استعادة الكتاب. أجاب أنه سيخبرها إن احتاجت شيئًا يتعلق بالطرد الذي سلمه، ثم أنهى المكالمة ليعود إلى عمله. بقيت مريم لحظة ممسكة بالهاتف، تقاوم رغبتها في الاتصال ثانية للحصول على نهاية ألطف.
أما هدى فاستقبلت الاعتراف بصمت قصير، ثم سألت متى يمكنها استعادة الكتاب. أخبرتها مريم بموعد عودة كريم، دون أن تعدها بوصول لا تستطيع ضمانه. قالت هدى إن إخوتها سيجتمعون قبل ذلك، وإنها ستبحث عن صفحات مصورة قديمة لتقرأ منها. عرضت مريم أن تأتي لتشرح لهم، فرفضت هدى بأدب. لم تكن الأمسية تحتاج إلى شرح الخطأ بقدر ما كانت تحتاج إلى الكتاب الذي لم يصل في وقته.
كتاب يصل بعد انطفاء المصباح
في المساء ذهبت مريم إلى بيت كريم، وانتظرت عند المدخل حتى عاد. أعاد إليها الصندوق والبطاقة ذات الزاوية الممزقة. كان الكتاب سليمًا، وقد لفه بورقة نظيفة قبل أن يضعه في الخزانة. شرحت له خطأها واعتذرت عن وصول كتاب لم يطلبه، ثم شكرته، وسلمته كتاب الحدائق الذي استعادته من هدى في طريقها إليه. احتفظت بالبطاقتين في جيبها بدل رميهما، لا لتصنع منهما ذكرى مؤثرة، بل لأن العنوانين كانا لا يزالان ضروريين لإنهاء الجولة دون ارتباك جديد.
عندما وصلت إلى بيت هدى، كان آخر ضيف يغلق الباب خلفه. خفت ضوء غرفة الجلوس، وبقي على الطاولة كوب لم يُرفع بعد. تسلمت هدى الكتاب الأزرق ومررت يدها على غلافه، ثم فتحت صفحة قرب الوسط لتتأكد من وجود ورقة صغيرة بين الصفحات. قالت إنهم قرؤوا ما وجدوه في الصور، وإن أخاها تذكر حكاية لم تكن في الكتاب. ابتسمت قليلًا، لكن مريم لم تعتبر ذلك دليلًا على أن تأخيرها لم يغير شيئًا.
قالت مريم إنها تتمنى لو أعاد وصول الكتاب ترتيب المساء. أجابت هدى بأن المساء انتهى، وأن المهم الآن أن الكتاب عاد. لم يكن في صوتها قسوة، لكنه وضع حدًا لما يمكن للاعتذار أن يفعله. عرضت مريم تعويض أي تكلفة سببتها الجولة الخاطئة، فقالت هدى إنها لا تطلب مالًا، وإنما تريد أن تُسأل وتُخبر مبكرًا إذا حدث أمر يخص كتابًا ائتمنتهم عليه. وافقت مريم دون أن تضيف وعدًا كبيرًا.
في طريق العودة، مرت مريم أمام الغرفة المغلقة لتبادل الكتب. رأت انعكاسها في الزجاج وهي تحمل صندوقًا فارغًا، وفكرت في سهولة أن تحكي ما حدث بوصفه مغامرة انتهت بخير. لكنها كانت تعرف أن يوسف أمضى ساعات يحمل شكًا لم يصنعه، وأن هدى غيّرت ما أعدته لأمسيتها. أعادت الصندوق إلى حقيبتها ومضت. كان الكتاب في مكانه أخيرًا، أما بقية الأشياء فلم تعد إلى أماكنها بمجرد وصوله.
الطرد التالي
في المناوبة التالية، طلبت مريم من سلوى أن تراجع معها طردًا جديدًا قبل إغلاقه. وضعت الكتاب والبطاقة في مساحة واحدة، وقرأت الاسم والعنوان، ثم ثبتت البطاقة وصورت الطرد. لم تجعل سلوى مسؤولة عن التحقق بدلًا منها؛ أرادت أن ترى ما كانت تقفز فوقه حين تسرع. وعندما ناداها زائر، تركت الصندوق مفتوحًا ووضعت القلم فوقه كي تعرف عند عودتها أن المهمة لم تكتمل بعد.
بعد عودتها راجعت الكتاب والبطاقة وأغلقت الصندوق. دخل يوسف ليأخذ الطرد، فناولته إياه وسألته أن يقرأ العنوان أمامها. فعل ذلك، ثم وضعه في حقيبته. لم يعد الحديث بينهما إلى خفته القديمة في ذلك اليوم، لكنها لم تملأ الصمت باعتذارات متكررة. سألته عن وقت مروره التالي، وأجابها. كان حديثًا عاديًا وقصيرًا، ومع ذلك قبلته كما هو. لم يعد من حقها أن تحدد له المدة التي يحتاجها كي يطمئن إلى كلامها أو يمزح معها من جديد.
بعد أسبوع أعادت هدى كتابًا آخر إلى غرفة التبادل. سجلت مريم استلامه وتركته أمامها حتى تأكدت من الاسم، ثم سألتها إن كانت تريد إيصاله إلى شخص معين أو إبقاءه على الرف. قالت هدى إنه للرف هذه المرة. تحدثتا قليلًا عن ترتيب الكتب، ثم غادرت. لم تعلن هدى أن الثقة عادت كاملة، ولم تسألها مريم عن ذلك. اكتفت بأن يكون السؤال واضحًا، والجواب مسجلًا، والكتاب في المكان الذي اختارته صاحبته.
عند الإغلاق وجدت مريم البطاقة الممزقة في جيب معطفها. لم تعلقها على الجدار، ولم تكتب تحتها حكمة. وضعتها في درج الأوراق المستعملة، ثم نظرت إلى الطاولة قبل إطفاء الضوء. كان عليها صندوق واحد مفتوح ينتظر مراجعة الصباح. تركته مفتوحًا كما هو، ووضعت بجانبه بطاقة غير مثبتة. وحين سألتها سلوى إن كانت قد انتهت من كل شيء، أجابت هذه المرة: «بقي هذا الطرد. سنكمله غدًا».
