«حين نغيّر البيت» قصيدة نثر أصلية عن الحب بعد سنوات من الحياة المشتركة، بصوت زوج يخاطب زوجته أثناء الانتقال إلى منزل جديد. الشخصيات والذكريات والمكان متخيلة، والنص ليس اقتباسًا أو قصيدة موزونة. يستعمل الشكل النثري صورًا وتكرارًا من أدوات الشعر، كما يوضح معجم أكاديمية الشعراء. [1]
الخلاصة السريعة
تتبع القصيدة محبة تتغير معها الغرف والعناوين، عبر ست حركات مترابطة.
- الصناديق تحمل أسماء الأشياء، بينما تبقى للسنوات المشتركة تفاصيل يصعب وضعها تحت عنوان واحد.
- يوقظ الدرج الصغير ذاكرة الوصول الأول، من إيصال قديم إلى زر وخيط لم يكتمل عملهما.
- يبقى الكرسيان المختلفان شاهدين على ذوقين وصوتين تعلما الجلوس حول طاولة واحدة.
- يعبر الزوجان درج البيت القديم، ويتبدل صدى الكلام حين تخلو الغرف من الأثاث.
- في المنزل الجديد يرسمان ترتيبًا مختلفًا للأشياء، ويجدان للمائدة المؤقتة مكانًا بين الصناديق.
- تصل المفاتيح إلى موضع جديد، وتبقى المحبة مفتوحة على يوم لم يُعش بعد.
أسماء على الصناديق
كتبتِ على الصندوق الأول: كتب. وعلى الثاني: أطباق. ثم توقفت يدك فوق صندوق صغير، وسألتِ ماذا نسمي ما بقي. كانت فيه قطع لا يجمعها استعمال واحد: مقبض نحاسي، وصورة مقلوبة، ومنديل حفظ أثر طيّة قديمة. قلتُ: اكتبي أشياء أخرى. ضحكتِ من الاسم الذي يتسع لكل ما عجزنا عن ترتيبه، ورسمتِ تحته خطًا كأنك تمنحين البقية بيتًا مؤقتًا، حتى يفرغ لنا نهار نستطيع فيه تسمية ما حملناه.
منذ الصباح ونحن نكتب الأسماء على الكرتون، ونترك الجدران تنقص بهدوء. كلما ارتفعت صورة ظهر خلفها لون أفتح، مستطيل من الزمن لم تمسسه الغرفة. مررتِ كفك عليه، فبدت يدك داخل إطار غائب. أحببت هذه الصورة الجديدة: أنتِ تلمسين مكان صورة، وأنا أراك من جهة الممر، وبيننا مسمار صغير يحمل الهواء، بعد أن قضى أعوامًا يحمل وجهينا في يوم كنا نظن أننا نعرف تمامًا ما ينتظرنا.
كنتُ قد أعددت قائمة طويلة كي ننجز كل شيء قبل المساء. أسماء وعدد وعلامات صغيرة أمام ما تم. لكنك أخرجتِ من أحد الكتب ورقة رسمتُ عليها ترتيب الأثاث حين جئنا أول مرة. كانت الطاولة أكبر من الغرفة، والباب يفتح في جهة لا تشبه بابه. ضحكتُ من المهندس الذي كنتُه على الورق، ثم رأيت اسمي الذي كتبتِه في الزاوية، بخط أصغر من الحلم وأوضح منه.
أحبك في هذا الانحناء فوق الصندوق، وأنت تعيدين كتابًا إلى غلافه، وتنفخين غبارًا خفيفًا عن حافته. للكلام الكبير وقت آخر؛ الآن يكفيني أن أعرف من حركة كتفك أنك تبحثين عن الشريط اللاصق. أمده إليك قبل السؤال، ثم نبحث معًا عن بدايته التي التصقت بنفسها. تطول المهمة الصغيرة، ويصير لضحكتنا طرف يمكن الإمساك به، قبل أن نغلق على الكتب بابها الورقي ونكتب وجهتها الجديدة.
درج يتأخر في الرحيل
بقي الدرج الأخير مفتوحًا كفم نسي الكلمة التي يريد قولها. أفرغناه فوق قطعة قماش، فتناثرت مفاتيح بلا أبواب، وأزرار بلا قمصان، وقلم أحمر جف في منتصف عمره. كنتِ تجمعين كل نوع وحده، وأنا أبحث عن سبب لبقاء كل قطعة. في يدك صار الركام مجموعات صغيرة، وفي يدي عاد يتفرق إلى أيام؛ هذا من شتاء، وذاك من سفر قصير، وتلك قطعة لا أتذكرها إلا حين تنظرين إليها.
وجدتُ إيصال شراء كرسي، مطويًا حتى صار أصغر من إصبعي. فتحته بحذر لا يستحقه ثمن قديم، لكنه يستحقه الطريق إلى ذلك النهار. كنتِ تمشين أمامي في السوق وتلتفتين كل قليل لتتأكدي أنني لم أدخل متجرًا آخر. يومها اخترتِ كرسيك بسرعة، وبقيتُ أجرب ظهور الكراسي كأنني أختار شكل حياتي المقبلة. اشتريتُ واحدًا مختلفًا، وخرجنا بقرارين يحمل كل منهما مقعدًا إلى العنوان نفسه.
كان في الدرج زر احتفظتُ به لأخيطه إلى معطف لم أعد ألبسه. لففتِ حوله خيطًا منذ زمن، وقلتِ إن المهمة صارت جاهزة لي. بقيت الجاهزية سنوات بجوار المفاتيح. رفعتِ الزر اليوم بين إصبعين، ونظرتِ إليّ دون كلام. عرفتُ المزحة قبل أن تولد، فضحكتُ أولًا. لبعض الأشياء قدرة عجيبة على تذكيرنا بالوعود الصغيرة، دون أن تحول الغرفة إلى قاعة محاكمة أو ترفع صوتها فوق صوتنا.
اخترنا ما نحمله وما نتركه، وبقي القلم الأحمر في راحة يدي. كنتُ سأرميه، ثم تذكرت الخط الذي وضعته على رسم البيت الأول. قلتِ: الصورة تكفي إن أردت. وضعتُه إلى جانب الورقة وصورتُهما، ثم أعدت الورقة إلى ملفها. صار للقلم مكان في الذاكرة ومساحة أقل في الحقيبة، وبقي لكِ ذلك اللطف الذي يسمح لي أن أودع شيئًا سخيفًا، بالمدة التي يحتاجها قلبي كي يسميه شيئًا عزيزًا.
كرسيان حول طاولة
حين أخرجنا الطاولة ظهر تحتها شكل حياتنا على الأرض: دائرتان خفيفتان عند القدمين الأماميتين، وخط أطول حيث كنتِ تسحبين كرسيك. كان كرسيي داكنًا عالي الظهر، وكرسيك عريضًا بلون العسل. ما أكثر المرات التي اقترح فيها زائر أن نستبدلهما بكرسيين متشابهين. كنتِ تقولين إننا سنفكر، ثم نجلس عليهما بعد رحيله، كأن التفكير انتهى حين وجد كل ظهر مكانه، ووصلت أقدامنا إلى الخشب المألوف تحت المائدة.
على كرسيك خط رفيع من طلاء أزرق، بقي منذ حاولنا تجديد الرف. وعلى كرسيي خشونة عند الحافة، أعرفها كلما مددت يدي وأنا أتكلم. لم تجمع القطعتان جمال معرض مرتب، لكنهما حفظتا جلستين لا تخطئهما الذاكرة. أتذكر صوتك وأنت تقرئين رسالة مفرحة، ورأسي ينحني نحوك فوق الطبق. وأتذكر مساءً أخذتِ فيه نفسًا طويلًا قبل الكلام، فتركتُ الشوكة جانبًا، وأصغت الطاولة كلها إلى ما لم أعرف كيف أسمعه في البداية.
لم تكن أيامنا مستوية كصفحات الدفتر الجديد. اختلفنا عند هذه الطاولة، وارتفع صوتي مرة، ثم بقي الاعتذار في حلقي حتى صار ثقيلًا. حين قلته، لم يتغير لون الخشب ولم تنطفئ الذاكرة. لكنك حركتِ طبق الخبز قليلًا، وصار بين الكرسيين متسع لجملة أخرى. كلما مررتُ بتلك الحافة الخشنة أتذكر أن للكلمة وزنًا يصل إلى اليد، وأنني أحبك أيضًا في المواضع التي تعلمت فيها أن أعيد صياغة نفسي.
وقف الكرسيان اليوم قرب الباب، قصيرًا وطويلًا، فاتحًا وداكنًا، كأنهما شخصان ينتظران وسيلة السفر. قلتِ إن الجديد أوسع قليلًا، ويمكن أن نغيّر ترتيب الجلسة. رأيتُ المستقبل في هذه الجملة البسيطة: ليس صورة قديمة ننقلها بدقة إلى جدار آخر، بل مساحة تسمح للأشياء أن تستدير. حملنا لكل كرسي خدوشه، ولم نطلب منه أن يعود جديدًا؛ كانت آثار الاستعمال هي العلامات التي تساعدنا على التعرف إليه في الزحام.
على السلم القديم
خفتت الغرفة بعد خروج الأثاث، ثم صار لكل كلمة فيها صدى أطول. ناديتك من المطبخ، فعاد اسمك إليّ كأنه صادر عن شخص يقف خلفي. ابتسمتِ عند الباب وقلتِ إن البيت أصبح واسعًا الآن فقط. نظرتُ إلى المسافة التي كنا نعبرها ملتفين حول الطاولة، فإذا بها مستقيمة على نحو يربكني. كانت الأشياء تعترض خطواتنا كل يوم، ثم اكتشفنا وهي تغيب أنها كانت ترسم للطريق شكله الذي نحفظه.
تفقدتِ الغرف مرة أخيرة، وعدتِ تحملين مشبكًا صغيرًا وجدته خلف الستارة. وضعته في جيب معطفك دون تفكير طويل. أحببت أن شيئًا واحدًا هرب من القوائم والأسماء، ورافقك هكذا، قريبًا من اليد. وقفتُ عند العتبة أنتظر أن تقولي إننا نسينا أمرًا آخر. لكنك أغلقتِ الباب برفق، وتحركنا نحو السلم. للمرة الأولى كان المفتاح يدور خلفنا ولا يعدنا بعودة بعد ساعات، فصرتُ أسمع المعدن أكثر مما أسمع الخطوات.
عند المنعطف توقفتِ كي تعدلي الحقيبة على كتفك، فتوقفتُ فوق الدرجة التالية. من هذا الموضع رأيت في شعرك خصلة فضية لم تكن هنا يوم وصلنا. كانت تحت الضوء واضحة وهادئة، خيطًا لم يحاول أحد أن يخفيه في الدرج. أردتُ أن أقول شيئًا عن السنوات، لكنك سألتِ إن كانت أوراق البيت الجديد معي. لمستُ الحقيبة وأجبتك، وبقيت الجملة التي لم أقلها تمشي بجوار الجواب العملي كيده الأخرى.
في أسفل السلم نظرتِ إلى أعلى، وأنا نظرتُ إلى وجهك. لكل منا مشهد أخير يحتفظ به: لكِ الدرابزين الطويل والباب البعيد، ولي طريقة رفعك للذقن حين تحاولين رؤية شيء للمرة الأخيرة. ثم خرجنا إلى الشارع الذي واصل نهاره. عامل يحمل خبزًا، وصوت سيارة، وظل حبل بين شرفتين. عبرنا كل ذلك ببطء، ومعنا حقيبتان، واسم جديد للوجهة، وعادة قديمة أن تلتفتي نحوي حين يصعب سماع كلامي.
مائدة بين الصناديق
في البيت الجديد بدا صوت المفتاح مختلفًا، وكان علينا أن نجرب أي جهة يحتاج إليها المقبض. دخلتِ أولًا، ثم وقفتِ بعيدًا عن الباب تنظرين إلى الغرفة. كنتُ أحمل ترتيب البيت القديم في رأسي، وأبحث لكل شيء عن نظيره. أما أنت فرفعتِ يدك نحو زاوية أخرى وقلتِ: لنجرب الطاولة هناك. تحركت الغرفة في خيالي خطوة، كأن أحدًا أزاح عن عيني ورقة شفافة كنت أرسم فوقها المكان نفسه كل مرة.
انتشر الكرتون حولنا، وتشابهت الصناديق التي بدت أسماءها واضحة في الصباح. بحثنا عن الأطباق فوجدنا المناشف، وفتحنا صندوقًا ظنناه خفيفًا فظهرت الكتب. قرأتِ خطي المائل ورفعتِ حاجبك، فقلتُ إن الخط تعب في آخر النهار. استندتِ إلى الجدار وضحكتِ، وكان للضحكة ارتداد جديد لم أحفظه بعد. حاولتُ أن أتخيل كيف سيصير صوتها حين تمتلئ الغرفة، ثم رضيتُ بهذه النسخة الأولى، عارية من الستائر والألفة السابقة.
وضعنا ما نحتاج إليه فوق الطاولة قبل أن يستقر مكانها النهائي. كانت المائدة ناقصة، والوجبة بسيطة، لكن كرسيك وجدك ووجدني كرسيي. مددتِ يدك إلى الجهة التي اعتدتِ أن تجدي فيها المنديل، فلم تجدي إلا الهواء. ناولتك واحدًا، وقلنا معًا إن الأشياء تحتاج إلى وقت. أحببت اتفاق الجملتين المفاجئ، بعد يوم طويل اختلفنا فيه على حجم الصناديق، وموضع الملفات، والشيء الذي ينبغي حمله أولًا من بين أشياء كثيرة بدت كلها أولى.
بعد الطعام جلستِ قليلًا تحدقين في السقف. سألتك ماذا ترين، فقلتِ إنك تحاولين معرفة أين ستذهب الموسيقى حين نشغلها. رفعتُ رأسي كأن الجواب مرسوم هناك. كان في سؤالك مكان لم يخطر على قائمة النقل: جهة الصوت وهو يتوزع حولنا. تركنا الصناديق مغلقة دقائق أخرى، وجربنا أغنية نعرفها. عرفتُ لحنها، ولم أعرف صداها؛ وكان هذا القدر الصغير من الجِدّة كافيًا كي أشعر بأننا وصلنا فعلًا.
موضع جديد للمفاتيح
قبل النوم أخرجتُ المفاتيح من جيبي، ولم أعرف أين أضعها. بحثت يدي عن الوعاء الصغير الذي كان قرب الباب، ثم تذكرت أنه في صندوق لم نفتحه. أشرتِ إلى رف فارغ، فوضعتها هناك. صوتها القصير فوق الخشب أعلن أول عادة في البيت الجديد. غدًا سنبحث عنها ثانية، وبعد أيام ستمتد اليد إلى مكانها دون سؤال، ويختفي هذا التردد الصغير الذي جعلني أنتبه الليلة إلى حركة أعرفها منذ زمن.
أحبكِ وأنتِ تطفئين ضوءًا ثم تعودين لتجربي مفتاحًا آخر، لأن الغرف لم تسلمك أسماء مفاتيحها بعد. أحبك في التعب الذي يبطئ كلامك، وفي السؤال عما إذا كنت وجدت شاحن الهاتف، وفي وقفتك أمام صندوق لا طاقة لك بفتحه. أقول لك إن الصباح يتسع له، فتضعين عليه كفك كأنك تمنحينه موعدًا. يكفي أننا أخرجنا ما نحتاج إليه لهذه الليلة، وبقي للغد عمل نستيقظ عليه وصوتان يعرف كل منهما كيف ينادي الآخر.
من شق الباب رأيت الكرسيين في نصف عتمة، مختلفين كما كانا، وفي موضع لم يجلسا فيه من قبل. خلفهما مستطيل الضوء يتغير كلما مرت سيارة في الشارع. لم أحتج إلى جمع السنوات في عبارة أخيرة أو تعليقها فوقهما. كانت هنا، في السهولة التي سألتني بها عن بطانيتك، وفي معرفتي بالصندوق الذي وضعتها فيه، وفي الخطأ الصغير حين أخرجتُ بطانيتي أولًا، فضحكتِ وقلتِ إن ذاكرتي تحتاج هي الأخرى إلى ترتيب.
غدًا نسأل عن الطريق إلى المخبز، ونكتشف أي نافذة يدخل منها صوت الصباح، ونختلف على مكان رف صغير. أما الليلة فأسمع تنفس البيت وهو يتعلم وجودنا، وأسمعك تسألين من وراء الباب إن كنت قادمًا. أجيبك وأنا أترك الصندوق الذي كنت أحاول فتحه. على الرف تستقر المفاتيح، وفي الغرفة ينتظر الغد بلا ترتيب كامل. أمشي نحو صوتك، حاملًا هذا الحب الذي يعرف الطريق إليك، ويستطيع معك أن يتعلم عنوانًا آخر.
المصادر ومتابعة القراءة
أُعدّ هذا المقال بصياغة عربية أصلية بالاستناد إلى المصادر أعلاه، وهو مدخل تمهيدي إلى الموضوع. اقرأ منهجية المحتوى وحدوده.
